حقيقة التوبة - رياض الصالحين (شرح الشيخ خالد السبت)

إنضم
03/01/2021
المشاركات
1,060
مستوى التفاعل
6
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر
حقيقة التوبة والحديث على آيات الباب..

مقدمة باب التوبة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب التوبة، التوبة مضى الكلام عليها مفصلاً في الأعمال القلبية، وحقيقتها: أنها الرجوع إلى الله -تبارك وتعالى- من الكفر إلى الإيمان، أو من المعصية إلى الطاعة، أو من التقصير إلى التشمير، وذلك أن التوبة تارة تكون من الكفر أو الشرك، وتارة من الكبائر، وتارة من الصغائر، وتارة من التقصير، أو فعل خلاف الأولى، أو فعل المكروه، فكل هذا مما تجري فيه التوبة، وذكرت في بعض المناسبات أن عمران بن حصين  قد أصيب بمرض صبر عليه نحواً من أربعين سنة، ثم بعد ذلك اكتوى، والاكتواء مكروه وليس بمحرم؛ لأنه تعذيب بالنار، وكان يُسلَّم عليه، يعني: تسلم عليه الملائكة، فلما اكتوى لم يعد ذلك يقع له، بمعنى: أنه لم تعد الملائكة تسلم عليه بعد الاكتواء، ثم تاب بعد الاكتواء، فلما تاب عادوا إليه، يعني: عاد التسليم إليه، فهذا مثال على وقوع التوبة من فعل المكروه.

والإنسان قد يتوب من فعل خلاف الأولى، من التقصير في حق الله ، كان لا يحافظ على السنن الرواتب، لا يصلي الوتر، يفعل بعض المكروهات، بعض المشتبهات، فتاب إلى الله  وشمر في طاعته، وترك المشتبهات، أو ترك المكروهات، ترك خلاف الأولى، وصار منتقلاً من حال إلى حال أكمل، والتوبة قد تكون من المحرم، وقد تكون مما هو دونه مما لم يبلغ مرتبة التحريم.

قوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون.
}يقول النووي -رحمه الله: قال العلماء: "التوبة واجبة من كل سوء" يعني: إذا كان الفعل من قبيل المحرم، سواء كان من قبيل الإشراك، أو الكبائر، أو الصغائر فهي واجبة قطعاً، والله  أمر بذلك، والأمر للوجوب وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
وعلق عليه الفلاح لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فهذه التوبة واجبة، لكن التوبة من ارتكاب خلاف الأولى، أو التوبة من المكروه، أو التوبة من التقصير فيما لم يبلغ ترك الواجب، أو فعل المحرم فإن هذه التوبة مستحبة،

وهنا يقول: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد
وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط:


أحدها: أن يقلع عن المعصية
والثاني: أن يندم على فعلها
والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح التوبة.


هذه الشروط الثلاثة:

الأول: الإقلاع عن المعصية، ما هي المعصية التي يحتاج أن يقلع عنها؟ قد يقول الإنسان: إنه تائب إلى الله -تبارك وتعالى- من سماع المعازف، أو من لبس الحرير، أو من لبس الذهب، أو من البقاء في أماكن لا يجوز له البقاء فيها، أماكن للمنكر كان يشهدها ويحضرها،

فالشرط الأول: أن يقلع عن المعصية، أي: لابد أن يفارق هذا المكان الذي لا يجوز له البقاء فيه، كأن يجلس الإنسان في مرقص، أو في محل فيه معازف، أو في خمارة، أوفي أماكن فساد، شر، اختلاط، هو يواقعها، والتوبة تقتضي أن يفارقها، وأن يبتعد عنها، وأن ينفك من هذا الذنب، هذا الشرط الأول، فلا يبقى ملابساً له بحال من الأحوال.

الثاني: الندم، أن يندم على هذا الفعل، وهنا سؤال معروف وهو أن الندم أمر يتعلق بالقلب، يتسلل إليه من غير إرادة، بمعنى: أن الإنسان أحياناً يحاول أن لا يندم على الشيء ومع ذلك يندم، وقد يريد الندم ولكنه لا يستطيع، أحياناً الإنسان يخسر في تجارته، في بيعه، في شرائه فيندم، ويحاول أن يدفع الندم ولا يستطيع، وأحياناً يكون الإنسان فعل معصية في شيء يحبه، وتقبل نفسه عليه، فيحاول أن يندم عليه، فكلما تذكر شعر بلذة، فكيف يندم هذا؟ نقول: لابد من الندم، وقد ذكرت فيه قاعدة في بعض المناسبات وهي: أن خطاب الشارع إذا توجه إلى المكلف في أمر لا يقدر عليه فإنه ينصرف إما إلى سببه وإما إلى أثره، ففي هذا المثال خطاب الشارع فيه لابد من الندم.

يقول: أنا لا أستطيع أن أدخل الندم إلى قلبي، أريد أن أندم فما العمل؟ نقول له: اتجه، خطاب الشارع لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286]، إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، فالله لم يكلفنا ما لا نطيق، فالخطاب يتوجه إلى السبب، وهو هنا: أن يتذكر أنه عصى الله، وأن الله يراه، وأن الملك كتب ذلك، وأنه سيجده في سجلاته، وأن يتذكر عظمة الله ، وجرأته عليه، وما إلى ذلك من العذاب الذي أعده الله  لمن عصاه، فإنه إذا تذكر ذلك ندم، ويمكن أن نذكر أمثلة واقعية عادية في شيء يلتذ به الإنسان، فإذا تذكر معنىً آخر تحولت هذه اللذة إلى ألم، فالإنسان الذي يفجر ولربما يعاشر امرأة بالحرام، أو يزاول شهوة من الشهوات بالحرام لو قيل له: أين أنت؟ الكاميرا فوق رأسك، والناس يشاهدون كل ما فعلته، ما الذي يحصل له؟ بلحظة واحدة يتغشاه من الغم، والهم، والألم، والحسرات ما لا يقادر قدره، كان في مكان أو في مصعد، فوافقته امرأة، أو نحو ذلك فقبّلها وهو يظن أن هذه الكاميرا عبارة عن إضاءة إذا انقطع التيار الكهربائي تضيء، فلو قيل له: إن الذي يشاهدك أبوك، أهلك كلهم ينظرون إليك، ما الذي يحصل لهذا الإنسان؟
وهذا آخر يزاول شيئاً محرماً، يفعل شيئاً محرماً، يستخفي به، ذهب إلى مكان، وجلس يتكلم بأمور حرام، ويتكلم مع امرأة بفحش وقبح، ويتصل بها ويكلمها في أمور لا تليق، فقيل له: كل الكلام الذي حصل مسجل، ما الذي يحصل له؟ يغشاه من الغم ما الله به عليم، يسود وجه، فأي الأمرين أعظم نظر الله إلى العبد أو نظر هؤلاء المخلوقين؟ نظر الله  أعظم، وكان ينبغي أن يستحيي منه، كيف والملك ينظر ويكتب، والجوارح ستنطق، يقال لها: هذا فلان عمل كذا وكذا، فيجيب: لا، أنا ما عملت ذلك، فيُختم على فيه، وتنطق جوارحه الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].


فإذا تذكر الإنسان هذه المعاني، وأنه عصى ربه، وتجرأ عليه يندم ولابد، ولذلك القلب إذا كان حيًّا فإن العبد إذا فعل المعصية ندم، فإذا مات القلب لم يتحرك، وهذا معيار في حياة القلب وموته؛ ولهذا قال الله : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ [الأعراف:201] فيتأثر مباشرة، لماذا فعلتُ هذا؟ وتذهب عنه الحجب، حجب الشهوة، حجب الغفلة، إذا كان من الأمور الغضبية يذهب عنه حجاب الغضب، وعند ذلك يفيق ويعرف أنه كان مضيعاً مفرطاً مجترئاً على ربه -تبارك وتعالى-، هذا ما يتعلق بالندم.


الثالث: العزم أن لا يعود إليها أبداً، بمعنى أنه لا يقول: أنا تائب بلسانه فقط، وهو ينوي الرجوع، فهذا كاذب في توبته، فلو كان متردداً أو غير جازم ويقول: أنا لن أرجع، وفي نفسه لو حصلت له فرصة أخرى رجع، أو في نفسه يقول: أحاول أن لا أرجع فهذه ليست توبة، هذه يسمونها توبة الكذابين، فلابد من العزم المصمم على عدم الرجوع، هذه ثلاثة شروط في كل الذنوب المتعلقة بحق الله .


هناك شرط آخر إن كانت المعصية تتعلق بحق المخلوق كما ذكر النووي -رحمه الله-، إن كانت تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، وكيف يبرأ منه؟ إن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، هذا شرط زائد على الإقلاع، والندم، والعزم أن لا يعود.


قد يغصب الإنسان أرضاً، أو مالاً، أو يسرق من إنسان، فهذه معصية لا يكفي فيها الندم، والإقلاع، والعزم أن لا يعود، بل لابد أن يُرجع لكل إنسان مظلمته، وحقه، فإن كانت عيناً من الأعيان ردها إليه، وإن كانت من الحقوق المعنوية كأن يكون هذا الإنسان وقع في عرضه، قذفه، أو اغتابه، فالقذف أن يمكنه من ذلك، بمعنى: أن يمكنه من إقامة الحد عليه أو أن يعفو عنه؛ لأن هذا القذف وإن لم يطالب به الإنسان في الدنيا فإنه لا يعني أن تبرأ ذمته يوم القيامة.

وإن كانت غيبة أو نحو ذلك فهل يتحلل منه بالغيبة أو لا؟ هذا فيه تفصيل: فإذا كان في ذكره ذلك له يزيد في إيغار الصدور، ويولد العداوات، والشحناء، والقطيعة فإن الشريعة لم تأت بهذا، الشريعة جاءت بالأمر بالاجتماع، والتحاب، والتواد، ونبذ كل ما يؤدي إلى الشر، والفرقة بين المسلمين، وإن كان يقبل منه أن يقول له: أنا اغتبتك فسامحني، وحللني، فيجب عليه أن يقول له ذلك، وتبرأ ذمته، وإن كان يغلب على ظنه أنه سيؤدي ذلك إلى عداوة وشر فلا يقول له شيئاً، فما الذي يفعله؟ يذكره في المجالس التي ذكره فيها بالسوء، يذكره بالخير، ويدعو له، ويتصدق عنه، وهنا تساؤل: ما حاجة الإنسان في أن يغتاب الناس حتى يضطر أن يذكرهم في مجالس بالخير، ويضطر أن يتصدق عنهم، ويضطر أن يدعو لهم، كان الواجب عليه أن يمسك لسانه ويرتاح، فالأمر ليس بالسهل، والغيبة من الكبائر، هذا إذا كانت غيبة فيها هذا التفصيل على الراجح، وهو الذي اختاره النووي -رحمه الله-، وذكرت هذا المعنى في الأعمال القلبية، في التوبة.
قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، يجب على الإنسان أن يتوب من جميع الذنوب والمعاصي ولا يجزِّئ ذلك، لكن لو تاب من ذنب واحد وعليه ذنوب متعددة فالراجح أن التوبة تكون صحيحة، يعني هذا الإنسان تاب من الغيبة، لكن بقي عنده أعمال أخرى محرمة فإن توبته صحيحة إذا استوفت الشروط، فتتجزأ التوبة، لكن يبقى أن الأصل والأفضل والأكمل بل الواجب أن يتوب من جميع الذنوب.
قوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا هذا أمر، والأمر للوجوب أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: من أجل أن تفلحوا، فعلق الفلاح -وهو تحصيل المطلوب والنجاة من المرهوب- بالتوبة، فمن أراد الفلاح فعليه أن يتوب، والله  فضله واسع، أي أن المخلوق ربما تسيء إليه، أو تخطئ، أو يتوهم أنك أخطأت، أو قصرت، ثم بعد ذلك يبقى هذا الخطأ يلاحقك عنده إلى قيام الساعة، لكن الله  إذا تاب العبد إليه فرح بتوبته، وأقبل عليه واجتباه.
قوله تعالى: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه}قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ [هود:90].

تكلمنا من قبل على الاستغفار، هل هو توبة؟ قلنا: إنه يكون توبة إذا قصد به التوبة مستوفية للشروط، أما مجرد أستغفر الله، أستغفر الله على اللسان دون مواطأة القلب فإنه لا يكون توبة، لكن لو أن الإنسان قال: أستغفر الله بقصد التوبة فإن هذا يكون توبة؛ إذ إن التوبة لا يشترط أن يتلفظ فيها بشيء.

قوله تعالى: {توبوا إلى الله توبة نصوحا}تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا [التحريم: 8].

ما هي التوبة النصوح؟
تقول: نصَحَ الثوبُ وهذا الشيء ناصح بمعنى أنه خالص لا شائبة فيه ولا كدر، ليس فيه أخلاط، فما هي التوبة النصوح؟ فسرها العلماء بتفسيرات متعددة، والراجح في معناها والذي ذكره الحافظ ابن القيم -رحمه الله-، وذكره غيره-:


أن التوبة النصوح هي ما استوفت أوصافاً أو شروطاً:

الأول: أن تكون عامة من جميع الذنوب، ما فيها استثناءات.

الثاني: أن تكون جازمة لا تردد فيها بحال من الأحوال.
يعزم أن لا يعود تماماً إلى الذنب، ولا يكون فيها تردد، لا يقول: لو حصلت على فرصة ثانية احتمال أن أفعل.
الشرط الثالث: أن تكون خالصة لله، ما تكون لشيء آخر.

وهل تكون التوبة لشيء آخر؟
الجواب: نعم، التوبة أحياناً تكون لشيء آخر، قد يفعل الإنسان ما حرم الله  ثم بعد ذلك يقع له أمر في دنياه يكرهه، يعني يجد غبَّه في دنياه، اكتُشف مثلاً في عمله أن هذا الإنسان له علاقة محرمة، أو أنه يستعمل النت في مواقع محرمة، وهناك جهة مراقبة على هذا في العمل، فقالوا له: أنت تستغل هذا الجهاز في النظر إلى ما حرم الله، فيقول: لا، أبداً، لا يمكن، مستحيل، كذب، فيقولون له: هذه كل المواقع التي دخلت عليها، عند ذلك اسود وجه، وعرق جبينه، واستحيا، فبعد ذلك تاب، وصار يخاف من أن يلمس الجهاز، صار إذا رأى الجهاز كأنه رأى شبحاً، هذا تاب لكن خوفاً من الله؟، لا، هذا كما قال العلماء: قد يتوب خوفاً من المخلوق، يتوب خوفاً على معيشته، على وظيفته، يتوب بهذا الاعتبار.

وهذا آخر يبتز فتاة بالاتصال عليها ومعاكستها، وهي تسجل كل هذه المكالمات، ثم ذهبت إلى الهيئة وأخبرتهم بذلك، فلما جاءوا به قال: أبداً، لا يمكن، هذا غير صحيح، هذا كذب، افتراء، فقيل له: هذه رسائلك في الجوال كلها أمامك، فأسقط في يده، ثم قيل له: سنرسل هذه إلى المحكمة، وستطلب الفتاة محاكمتك، وكذلك سنرسلها إلى جهة عملك، وجهة عملك حازمة في هذه القضايا، وسيُتخذ القرار وهو: الفصل مباشرة بلا حقوق، وهذا يسمى فصلاً تأديبيًّا، فيقول: أرجوكم لا يصل هذا إلى العمل، الذي تريدونه أنا مستعد، هل هذا تاب خوفاً من الله؟ هذا ليس بخوف من الله، هذه لا تسمى توبة شرعاً، لكن امتناعه هذا هل هو حرام؟ الجواب: لا، لكن هل هي التوبة التي يبدل الله بها السيئات حسنات؟ لا، هو لا زال لم يتب التوبة الشرعية، يعني: في الآخرة سيلقى الله وهو ما تاب، فلو حصلت له فرصة أخرى في المستقبل بعيداً عن هذه الرقابة، أو بعد أن يتقاعد فسيقول: افعلوا ما شئتم، إذن لابد أن تكون التوبة خالصة لله.


بعض الناس قد تكون توبته رياءً وسمعة، يقول: رجعت إلى الله، وصرت إنساناً طيباً ومتديناً، وصالحاً، وخيّراً، وبعيداً عن المخدرات، أو غير ذلك.

مثلاً: زوجته هددته، قالت: سأتركك، لا يمكن أن أبقى معك، وصلت إلى حال من اليأس، فترك ما كان فيه من الفجور، هذه لا تسمى توبة شرعاً، بمعنى: أنه يلقى الله وهو مصر على الذنب، فلابد أن تكون التوبة خالصة، فهذه ثلاثة شروط مهمة.

ابن القيم -رحمه الله- ذكر معنى آخر في غاية الأهمية في التوبة عموماً، قال: إن التوبة الحقيقية ليس فقط أن يترك هذا الذنب، بل أن يقبل على الله  بكليته، هذا التائب حقيقة، لا أن يقول: والله أنا تائب من المخدرات ويشرب الدخان، أو لا يصلي، فهذه ليست توبة حقيقية، ومن كان هذا حاله غالباً يرجع إلى ما كان عليه، ومن كان صادقاً في توبته تجد حياته تغيرت، أقبل على ربه -تبارك وتعالى- بكليته، صار هذا الإنسان مطيعاً لله بعدما كان عاصياً، صار مقبلاً على ما يحبه الله ويرضاه.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.


موسوعة الكلم الطيب
 

حديث «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه..» إلى «لله أفرح بتوبة عبده..»




والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ففي باب التوبة أورد المصنف -رحمه الله-:حديث أبي هريرة  قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة،[1] رواه البخاري.


والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه يجمع ﷺ بين الاستغفار والتوبة؛ امتثالاً لأمر الله -تبارك وتعالى- كما مضى في قوله: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة.

أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي ﷺ في اليوم الليلة (8/ 67) برقم (6307).


يا أيها الناس توبوا إلى الله يبينه الحديث الذي بعده:

حديث الأغر بن يسار المزني ، قال: قال رسول الله ﷺ: يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة[1]، رواه مسلم.


فـ أكثر من سبعين مرة: يبينها هذا الحديث أنه كان يتوب مائة مرة، فهذا مَن غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فالذي لم يكن له هذا الضمان عند الله -تبارك وتعالى، وذنوبه كثيرة، ذنوب القلب، وذنوب اللسان، وذنوب الجوارح، ومع ذلك لو نظر الواحد منا في حاله، وفي توبته، وفي استغفاره أيضاً -ولو من غير مواطأة القلب- لوجد ذلك يسيراً قليلاً، وهذا لا شك أنه من أعظم صور الغفلة، وهو من أعظم أسبابها في الوقت نفسه، فالإنسان إذا تاب إلى الله -تبارك وتعالى- واستغفر انجلى قلبه، وذهبت عنه سحب الغفلة، إذا كان ذلك مع مواطأة القلب.


فالعبد بحاجة إلى الاستغفار والتوبة، وإلا فإن الذنوب تسبب له مزيداً من الغفلة، والغفلة تعمي بصيرة العبد، ومن ثَمّ فإنه يبقى على هذه المخالفات والمعاصي والذنوب ولا يرعوي، ولا يشعر بألم المعصية والتقصير، تفوته الصلاة ولا يتألم، ينام عنها مع التفريط ولا يتألم، ينظر إلى الحرام ولا يتألم، يأخذ الحرام ويأكل الحرام ولا يتألم، وهذا يعني أن قلبه قد رانت عليه هذه الذنوب، وأن الغفلة قد غلبت على هذا القلب وعلى صاحبه فلا يتأثر، كالجسد المريض إذا كان مرضه شديداً فإنه قد لا يتأثر بما يقع عليه، كأن يكون الإنسان مصاباً بالسكر، فتنخلع نعله -أعزكم الله- وهو لا يشعر بها، وقد يصيبه شيء يؤذيه وهو لا يشعر؛ لأنه لا يحس، ولأن هذا العضو الذي أصابه الأذى مريض، فإذا اكتملت صحته وعافيته فإن إحساسه يعظم، وهكذا هذا القلب، فإذا كان حياً نابضاً بالإيمان كان مشرقاً بطاعة الله ، وبأنوار الهداية، يتأثر بأدنى تقصير، فالإنسان بحاجة إلى أن يراجع نفسه، وأن يصقل قلبه دائماً بالاستغفار والتوبة، إذا كان النبي ﷺ يفعل هذا في اليوم مائة مرة، فنحن كم نحتاج أن نفعل ذلك في اليوم والليلة؟! لله أفرح بتوبة عبده


إن الله -تبارك وتعالى- كريم، ويُقبل على عبده المنيب والتائب، كما في:

حديث أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري  خادم رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: لَلَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح[1].

سقط عليه يعني: وجده، وقد أضله في أرض فلاة أي: أرض مهلكة، لا يجد فيها مخرجاً، ولا يستطيع فيها خلاصاً؛ لطولها وسعتها، وفي رواية لمسلم: للهُ أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح[2]، فهذا فقد الراحلة التي توصله، وعليها الطعام والشراب، ولو فقد الطعام والشراب وحده لكانت مصيبة، فلم يبقَ له من الأمل شيء، ووصل إلى مرحلة اليأس، فذهب واستسلم للموت؛ لأنه لم يترك حيلة في البحث عنها إلا وقد سلكها، حتى انسدت الطرق في وجهه، وضاقت به الحيل، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، ينتظر الموافاة.


أيها الأحبة، قد يفقد الإنسان شيئاً، قد يفقد حقيبته، وفيها بطاقات، أو أرقام مهمة، أو معلومات، أو عناوين، أو فيها التذكرة، أو الجواز، أو الأوراق التي يحتاج إليها، أو يكون في سفر، أو في مطار من المطارات، ثم يلتفت فلا يجد حقيبته، ماذا يفعل؟ يبحث عنها، يذهب إلى شرطة المطار، وإلى محل المفقودات، فلا يجدها، يخرج ليبحث عنها خارج المكان الذي فقدها فيه لعله يجد أوراقه منثورة، وحقيبته مكسورة، فإذا يئس منها، وصار في حالة يرثى لها جلس في مكان ما فوجد هذه الحقيبة بكاملها بجواره، لم يتغير منها شيء، كيف تكون فرحته؟ هذا وهو في مطار في عاصمة من أكبر العواصم، ويستطيع أن يجد حلاً لهذه المشكلة، لكن هذا في فلاة، لا توجد سفارة، ولا توجد حوالات، ولا توجد اتصالات، ولا يوجد شيء، ينتظر الموت، هو لا يجد حتى من يصلي عليه، ولا من يدفنه، ثم ينام وإذا بهذه الراحلة عند رأسه تشمشمه، كيف يكون حال هذا الإنسان؟

لا شك أنه سيفرح فرحاً عظيماً، ولا أدل على هذا من هذه الصورة، ماذا قال؟ قال:فأخذ بخطامها يعني استوثق منها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك والإنسان في مثل هذه المواقف قد لا يصدق، يشعر أنه في خيال، وأنه في حلم، ويظن أن هذه الراحلة ليست حقيقية، هل هذا فعلاً تحقق؟ ففرحة الله بتوبة العبد أشد من هذا، هل هناك صورة أعظم من هذا في الفرح؟ إذا بشر بمولود، أو بنجاح، أو بتخرج، أو بمال كل هذا لا يساوي شيئاً؛ لأنه هنا ذهب عنه المال، وذهبت النفس، وذهب كل شيء، سيموت في مكان لا يدري به أحد، سيكون قبره في بطون السباع، وحواصل الطير؛ وعندما يجد راحلته في هذه الحالة يفرح، فهذه فرحة لا تعادلها فرحة، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد وهو أغنى الأغنياء -تبارك وتعالى، غني عنا وعن توبتنا، فهذا يدعو العبد، ويفتح له باب الأمل ليقبل على الله -تبارك وتعالى- بكليته، ويعرف سعة رحمة الله  وفضله، وليس ذلك بأن يكثر الإنسان من المعاصي ولا يتوب ويقول: الله غفور رحيم، لا، الله يحب التائبين، يحب من كان بهذه الصفة، يفرح بتوبته، أما ذاك الذي يبارزه بالخطايا والذنوب والمعاصي ولا يرعوي فقد جاءت فيه نصوص الوعيد، والله المستعان.
 
حديث «إن الله تعالى يبسط يده بالليل..» إلى «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم..»

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ففي باب التوبة أورد المصنف -رحمه الله-حديث أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، عن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها<a href="https://khaledalsabt.com/explanatio...ن-الملاىكة-تضع-اجنحتها-لطالب-العلم#footnote-1" target="_blank" rel="nofollow">[1]</a>رواه مسلم.
يعني: أن باب التوبة مفتوح، وأن الفرصة مواتية لكل من أراد أن ينيب إلى ربه -تبارك وتعالى، فالله  يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وليس معنى ذلك أن من أذنب بالليل لا يتوب إلا بالنهار، فهو يتوب إن شاء ليلاً وإن شاء نهاراً، ولكن كما قال الله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً [الفرقان: 62]. يعني يتعاقبان، هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا ويعقبه وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62]. فهذه الأوقات -الليل والنهار- هي محل للتذكر، وهي محل أيضاً للتعبد وهو الشُّكور العبادة باللسان والقلب والجوارح، وهما أيضاً محل للتوبة يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وهنا تنقطع التوبة، فإن التوبة تنقطع بأحد أمرين: هذا أولهما، وسيأتي في الأحاديث الأخرى الثاني، فإذا طلعت الشمس من مغربها فعند ذلك لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158]. فعندئذٍ لا تنفع التوبة، هذا حد لقبول التوبة على وجه العموم، يعني بالنسبة لعموم الخلق، وهو توقيت زماني لآية من الآيات الكونية، وذلك في آخر الزمان.

من تاب قبل أن تطلع الشمس


حديث أبي هريرة  قال: قال رسول الله ﷺ: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، أخرجه مسلم.


يعني: رجع عليه بالتوبة والقبول، والله -تبارك وتعالى- يتوب على العبد، بمعنى: أنه يقبل منه توبته، ويأتي بمعنى: أنه يوفقه للتوبة من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها فباب التوبة مفتوح.


إن الله عز وجل يقبل توبة العبد


حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: إن الله  يقبل توبة العبد ما لم يغرغر<a href="https://khaledalsabt.com/explanatio...ن-الملاىكة-تضع-اجنحتها-لطالب-العلم#footnote-3" target="_blank" rel="nofollow">[3]</a>، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هذا الأمر الثاني الذي تقف دونه التوبة، لا تقبل معه التوبة، وهو خاص بالأفراد، الأول عام، والثاني خاص، وذلك أن العبد تقبل توبته في خاصة نفسه ما لم يغرغر، يغرغر يعني: تبلغ الروح الحلقوم، بمعنى: أنه يكون لها صوت عند خروجها عندما تصل إلى هذا الموضع، والغرغرة: هي تردد الماء في الحلق دون أن ينزل إلى الجوف، فهذا التردد لهذا الماء يصدر صوتاً، وذلك هو الغرغرة، وروح الإنسان تخرج من جسده حتى تبلغ الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم فعندئذٍ لا تنفع التوبة ما لم يغرغر.


إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم


وذكر بعد ذلك:
حديث زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال، وزر بن حبيش هو من التابعين وهو أيضاً من المخضرمين، قال: أتيت صفوان بن عسال  أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم، قال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب.
بشره بهذا، وهذا من التلطف بطالب العلم والسائل، ما الذي جاء بك؟ فقال: طلب العلم، فبشره بهذه البشرى، الملائكة تضع أجنحتها، يعني: تواضعاً له وخضوعاً، هذا الذي سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سواء كان عن طريق السؤال أي: يطلب العلم عن طريق السؤال فيسأل عما يحتاج إليه، أو كان ذلك بحضور مجالس العلم، فقلت -هذا زر بن حبيش يقول لصفوان: إنه قد حك في صدري، يعني: تردد، كما تقول: حاك في نفسي، حاك في صدري، تلجلج في صدري، يعني: بقي عنده شيء من التردد في هذه المسألة، وهي مسألة المسح على الخفين بعد الغائط والبول، يعني: من الحدث الأصغر، يقول: وكنتَ امرأً من أصحاب النبي ﷺ، زر يقول لصفوان: أنت رجل من أصحاب النبي ﷺ، جاء يطلب العلم من أهله، لم يذهب ليسأل جاهلاً، وإنما جاء لعالم من أصحاب النبي ﷺ، يقول: فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ يريد أن يأخذ العلم من مصدره، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سَفْراً أو مسافرين -يعني على سفر- ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، يعني: الحدث الأكبر، فلابد من نزع الخفين والجوربين لأجل الغسل، أما من الحدث الأصغر فإنه ثلاثة أيام بلياليهن من أول مسح مسحه على هذا الخف أو الجورب، قال: لكن من غائط وبول ونوم، يعني: إلا من الحدث الأصغر، فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت جهوري، جهوري: صوت مرتفع أو عالٍ، يا محمد، فأجابه رسول الله ﷺ نحواً من صوته، هاؤم، فقلت له: ويحك اغضض من صوتك فإنك عند النبي ﷺ وقد نُهيتَ عن هذا، يعني الرجل جمع بين أمرين: الأول: أنه رفع صوته والله  يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۝ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: 2-5]. يعني: يناديه من وراء الدار، يا محمد اخرج إلينا، وكذلك الله  قال: لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا [النور: 63] فمن المعاني الداخلة في الآية أنك لا تناديه باسمه، لا تقل: يا محمد، وإنما قل: يا رسول الله، يعني: لا تدْعُه كما تدعُ الآخرين، تقول: يا زيد، يا عمرو باسمه، وإنما قل: يا رسول الله، تأديباً لهم، هذا أحد المعاني الداخلة فيه، وهناك معانٍ أخرى صحيحة.

قال الأعرابي: والله لا أغضض، يعني: رفض أن يقبل النصيحة وأن يتأدب مع رسول الله ﷺ، وهنا عامله النبي ﷺ بقدر عقله، ولذلك لما رفع صوته على النبي ﷺ رفع صوته إليه: هاؤم، يعني: ها أنا ذا، ماذا تريد؟، قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولمّا يلحق بهم، يعني: ما حاله معهم وليس عمله كعملهم، لكنه يحبهم؟، هذا سؤال في غاية الأهمية، فالصحابة كانوا يتهيبون أن يسألوا رسول الله ﷺ، وكانوا يفرحون إذا جاء الأعرابي؛ لأنه يجترئ على السؤال، فسأل هذا السؤال الكبير، قال النبي ﷺ: المرء مع من أحب يعني: أنه يحب قوماً، يحب أصحاب النبي ﷺ، يحب السلف الصالح، يحب أهل العبادة، أهل الخير، أهل الصلاح، وعمله دونهم، فإن الله يلحقه بهم وإن قصر في عمله، وإن كان عمله قاصراً يقصر به دونهم، ودون عملهم، فيلحقه الله بهم، وهذا من فضل الله ، لكن المشكلة أين تقع أيها الأحبة؟
المشكلة فيمن يبغض أهل الخير، ويبغض أهل الصلاح، يبغض سلف الأمة، يبغض العلماء، يبغض الدعاة إلى الله ، يبغض الصالحين، يكرههم، ويحاربهم، يتكلم في حقهم في المجالس، يكتب في الصحف، هناك قنوات فضائية سُلطت لهذا الغرض، فهو يعاديهم دائماً، فمثل هذا -نسأل الله العافية- يلحق بنظرائه، وأشكاله، ومن كان كهيئته، والله  يحشر هؤلاء المجرمين مع نظرائهم وأشكالهم احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات:22]. أي: ونظراءهم وأشكالهم، فالإنسان إذا ما كان مشمراً في العمل، مجتهداً في طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ، على الأقل يحب الصالحين لعله يلحق بهم، فقال النبي ﷺ جواباً على هذا: المرء مع من أحب يوم القيامة<a href="https://khaledalsabt.com/explanatio...ن-الملاىكة-تضع-اجنحتها-لطالب-العلم#footnote-1" target="_blank" rel="nofollow">[1]</a>. فما زال يحدثنا -يعني النبي ﷺ حتى ذكر باباً من المغرب مسيرةُ عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً -قال سفيان أحد الرواة: قِبَل الشام- خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه، أي: تطلع الشمس من مغربها، إذا ظهرت الشمس من مغربها من هذا الباب أغلق باب التوبة؛ لأن هذا هو باب التوبة، رواه الترمذي وغيره، وقال: حديث حسن صحيح، وهذا الحديث حسنه الشيخ ناصر الدين الألباني أيضاً.فالشاهد أيها الأحبة أن باب التوبة من جهة المغرب يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاماً، فلو حُسبت بسير الإبل القاصد بأربعين في أقل تقدير، فالإبل تقطع في اليوم والليلة أربعين كيلومتراً في سيرها القاصد، فإذا ضربت 40 ضرب 354 التي هي عدد أيام السنة الهجرية، الناتج اضربه في 40 يظهر عندك عدد الكيلومترات تقريباً، طبعاً نحن لا نتكلم عن تحديد هذا، لكن على أقل تقدير، فعدد الكيلومترات هذه ستجد أنها أكبر من الكرة الأرضية دورة كاملة عليها عدة مرات، هذا باب التوبة وهذه مسافته، يعني: لو أن الكرة الأرضية أُدخلت من هذا الباب لكانت شيئاً صغيراً، هذا باب التوبة مسيرة عرضه أربعون أو سبعون، هذا إذا كان أربعين فكيف إذا كان سبعين؟!، فباب التوبة واسع، والله  يبسط يده، وكما سبق في الليلة الماضية أنه أفرح بتوبة العبد من ذلك الرجل الذي أضل دابته في أرض فلاة وعليها الطعام والشراب، ثم يئس منها واستسلم للموت، ثم وجدها عند رأسه، ماذا يفعل؟ يفرح فرحاً عظيماً، فالله أشد فرحاً.
أيها الأحبة: باب التوبة مفتوح، والإنسان لا يدري متى تقوم القيامة، إذا مات ابن آدم قامت قيامته، هو يظن أنها آخر الزمان عندما تطلع الشمس من مغربها، لا، كل من مات قامت قيامته، بلحظة وهو في مكانه، أو يخرج من عند الباب فيحصل له حادث، في لحظات يأتي الناس فيجدونه قد برد، أو يجدونه يغرغر، وقد كان سليماً معافى، ليس به شيء، في كل يوم نحن نشاهد هذا الأمر، كم نذهب إلى المقابر، ونصلي على الجنائز، كم جنازة صُلي عليها في المسجد الفلاني، وكم جنازة في المسجد الفلاني، فالموت أقرب ما يكون إلى الإنسان ولكنه يغفل عنه، ولهذا جاء عن علي  أنه ما من شيء يقين أشبه بشك من الموت، فالإنسان يتيقنه تماماً وهو شبه شك، الناس الذين يموتون ممن يعرفهم من قرابته، من أهله، من أصحابه، من أصدقائه، ينظر الإنسان وكأن هناك شيئاً خارجاً عن الوعي، كأنه في خيال، كأنه غير مصدق لهذا الشيء، غير مصدق أن فلاناً مات وانتهى، كان يجلس معهم، ويأكل معهم، ويضحك معهم، ويذهب معهم، ويجيء معهم، وتجد الرجل يبدأ أصحابُه يقلون وينقصون الواحد بعد الثاني حتى إنك لتجد الرجل أحياناً يقول: ما بقي من أصحابي إلا أنا، كانوا يجتمعون في الليالي، وكان عندهم لقاءات، ثم بعد ذلك بدءوا بالتلاشي حتى ذهبوا واضمحلوا، وهكذا الحياة، الأجيال التي كانت قبلنا من بقي منهم؟ لم يبق أحد، ونحن صفحة من كتاب ضخم، وكل جيل هو صفحة أيها الإخوة، فنحن الآن في آخر الزمان، كل هذه الصفحات طويت بمن فيها، وبقيت أعمالهم، والفرصة المواتية الآن هي لنا؛ لأن صفحتنا لا زالت خضراء، هذه النفس لا زالت تتردد، والروح تعمر الجسد، وتوشك الليالي والأيام والساعات والدقائق أن تقرض العمر، ويتلاشى شيئاً فشيئاً، وكل يوم يتساقط أناس، ثم بعد ذلك تُطوى صفحة الجيل، ويبدأ جيل ثانٍ، وهؤلاء وُسدوا القبور، وارتهنوا بأعمالهم إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث...<a href="https://khaledalsabt.com/explanatio...ن-الملاىكة-تضع-اجنحتها-لطالب-العلم#footnote-2" target="_blank" rel="nofollow">[2]</a>

أما نحن الآن فالتوبة بابها مفتوح، لكن الذين في القبور هل يمكن أن يتوبوا؟ كلا، أبداً، ولو سئل الواحد منهم: ماذا تتمنى؟ فماذا يقول؟ أتمنى أرضاً أو قصراً أو سيارة؟ أو أتمنى حديقة أو مزرعة؟ سيقول: أتمنى تسبيحة واحدة، قيل: لو طُلب من الإنسان الدنيا وما فيها لأجل تسبيحة واحدة لدفعها، ما هي الدنيا؟ ولماذا؟ لأنه عاين الحقائق، فماذا تنفعه الدنيا؟، ماذا تغني عنه القصور والفرش الوثيرة والأثاث الفاخر، والمكان النظيف البارد بعد أن توسد لحداً جوانبه غُبر؟، هذه عبر أيها الأحبة ولكنا لا نعتبر، مَن بجانبه في ذلك المكان؟ كل الناس، أفقر واحد وأغنى واحد ليس بينهم إلا ثلاثة أشبار، هذا الإنسان الفقير الذي يعمل ولو في أدنى المهن وهذا الباشا الذي لربما لا يجترئ هذا الفقير أن يأتي ويسلم عليه يكون بجانبه، كلهم في لحد جوانبه غُبر، لا يوجد قبر يقال: مُخمل، أو هذا قبر فيه ريحان، وفيه سراميك، أو رخام، لا، كلهم سواء، وأقرب الناس هم الذين يضعونه في اللحد، وهم أول من يضع التراب عليه، ثم يتسابق البقية ليحظوا بحثوة يحثونها عليه، هذه هي النهاية.
قد نسمع أحياناً بعض الأشياء، كذهاب أناس إلى مناسبات والنساء عليهن الذهب، وفي أيديهن النقوش والحناء، وأشياء أخرى، أسرة كاملة تذهب، ثم يحدث لهم حادث، فيموتون كلهم، وتجد هذه الزينة، وهذه النقوش، وهذا الجمال كله يذهب للتراب والدود والطين، فهذه عبرة كبيرة، ولكن عندنا غفلة، نحن نستيقن هذا الشيء لكن الغفلة غالبة، فالتوبة التوبة، والرجوع الرجوع إلى الله -تبارك وتعالى.نسأل الله  أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله بعباده (5/ 545) برقم (3535).
أخرجه الترمذي، أبواب الأحكام، باب في الوقف (3/ 652) برقم (1376)، وأخرجه النسائي، كتاب الوصايا، فضل الصدقة عن الميت (6/ 251) برقم (3651
 
عودة
أعلى