فهد الحمداني
New member
إنّ أعظم ما يفتح للقلب أبواب التدبّر، وللعقل آفاق التذوّق لكلام الله، هو إدراك "البلاغة الاشتقاقية" في المفردة القرآنية. فالقرآن لم ينزل بلغة مجردة باردة، بل نزل بلغة العرب التي كانت تشتق معانيها المعنوية من واقعها الحسي الملموس، فجاء الخطاب الرباني ليحول الأفكار الغيبية والمفاهيم العقلية إلى صور "متجسدة" تكاد العين تراها واليد تلمسها.
حين أطلّ نور الإسلام على الإنسان العربي، خاطبه بلسانه الذي يألف غيبيات الإيمان، ودقائق الأحكام، ولطائف العلوم النورانية من تجريدٍ ذهني إلى واقعٍ حيٍّ تشهده الحواس. لقد انتقل البيان الإلهي بالعرب من علومهم الظاهرية المحدودة بآفاق الكرم والوفاء، إلى رحاب عقيدةٍ نابضة، لا تحبسها جلباب الألفاظ الجامدة، بل تجسدها لغةٌ تموجُ بالحياة؛ فصار الإيمان في وعيهم كائناً يتنفس، والكفر انخلاعاً مؤلماً من الفطرة، والعمل الصالح ثمرةً يانعةً تلمسها القلوب قبل الأيدي .
كنت اتساءل وانا اقرا قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) عن اختيار لفظ (الانسلاخ) دون غيره من مرادفات الانقضاء أو المرور.
فلناخذ مثالا ونحلله: قوله نعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)
في أصل اللغة، "الحَبَط" هو داء يصيب الماشية (الإبل أو الغنم) حين تأكل نوعاً من المرعى الخبيث، فينتفخ بطنها حتى تظن أنها سمنت وامتلأت لحماً، لكنها في الحقيقة تنتفخ من الغازات والسموم حتى تنقدّ (تنفجر) أو تموت.
(لقد نزل الوعيد الإلهي (أن تحبط أعمالكم) على نفوس الصحابة كالصاعقة ؛ لأنهم أدركوا بليغ لغتهم ما يعنيه 'الحَبَط' حقيقةً لا مجازاً. لقد تمثل أمام أعينهم مشهد الدابة التي ترعى نبتاً خبيثاً فتنتفخ بطنها وتلقى حتفها في مقتل، فخافوا أن تكون أصواتهم هي ذلك 'الرعي الفاسد' الذي ينفخ أعمالهم ثم يقتلها. هنا التقى الفهم اللغوي العميق بشرارة الإيمان ( خير القلوب وأزكاها بعد الانبياء)، فاشتعلت في نفوسهم لوعة الحذر؛ حتى رأينا 'ثابت بن قيس' -خطيب الأنصار- يعتزل الناس ويبكي في بيته، ظناً منه أن جهوريّة صوته الفطرية هي 'الحَبَط' الذي سيسلبُه شقاء عمره في الإسلام).
هنا تكمن بلاغة القران بدل ان تقول ان رفع الصوت يبطل العمل كالمربي للدابة: يتعب في علفها وتربيتها لسنوات حتى تكبر وتسمُن، وفجأة تأكل نبتة ضارة "تُحبط" كل ذلك الجهد في لحظة واحدة وتتحول الدابة إلى جثة. عبر عنه بفعل واحد .
حين أطلّ نور الإسلام على الإنسان العربي، خاطبه بلسانه الذي يألف غيبيات الإيمان، ودقائق الأحكام، ولطائف العلوم النورانية من تجريدٍ ذهني إلى واقعٍ حيٍّ تشهده الحواس. لقد انتقل البيان الإلهي بالعرب من علومهم الظاهرية المحدودة بآفاق الكرم والوفاء، إلى رحاب عقيدةٍ نابضة، لا تحبسها جلباب الألفاظ الجامدة، بل تجسدها لغةٌ تموجُ بالحياة؛ فصار الإيمان في وعيهم كائناً يتنفس، والكفر انخلاعاً مؤلماً من الفطرة، والعمل الصالح ثمرةً يانعةً تلمسها القلوب قبل الأيدي .
كنت اتساءل وانا اقرا قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) عن اختيار لفظ (الانسلاخ) دون غيره من مرادفات الانقضاء أو المرور.
فلناخذ مثالا ونحلله: قوله نعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)
في أصل اللغة، "الحَبَط" هو داء يصيب الماشية (الإبل أو الغنم) حين تأكل نوعاً من المرعى الخبيث، فينتفخ بطنها حتى تظن أنها سمنت وامتلأت لحماً، لكنها في الحقيقة تنتفخ من الغازات والسموم حتى تنقدّ (تنفجر) أو تموت.
(لقد نزل الوعيد الإلهي (أن تحبط أعمالكم) على نفوس الصحابة كالصاعقة ؛ لأنهم أدركوا بليغ لغتهم ما يعنيه 'الحَبَط' حقيقةً لا مجازاً. لقد تمثل أمام أعينهم مشهد الدابة التي ترعى نبتاً خبيثاً فتنتفخ بطنها وتلقى حتفها في مقتل، فخافوا أن تكون أصواتهم هي ذلك 'الرعي الفاسد' الذي ينفخ أعمالهم ثم يقتلها. هنا التقى الفهم اللغوي العميق بشرارة الإيمان ( خير القلوب وأزكاها بعد الانبياء)، فاشتعلت في نفوسهم لوعة الحذر؛ حتى رأينا 'ثابت بن قيس' -خطيب الأنصار- يعتزل الناس ويبكي في بيته، ظناً منه أن جهوريّة صوته الفطرية هي 'الحَبَط' الذي سيسلبُه شقاء عمره في الإسلام).
هنا تكمن بلاغة القران بدل ان تقول ان رفع الصوت يبطل العمل كالمربي للدابة: يتعب في علفها وتربيتها لسنوات حتى تكبر وتسمُن، وفجأة تأكل نبتة ضارة "تُحبط" كل ذلك الجهد في لحظة واحدة وتتحول الدابة إلى جثة. عبر عنه بفعل واحد .