تفسير خواتيم سورة الحجر

إنضم
27/05/2012
المشاركات
29
مستوى التفاعل
0
النقاط
1
العمر
45
الإقامة
اربد

تفسير خواتيم سورة الحجر

(تفسير الآيات 97-99 من سورة الحجر)

الآيات الكريمة:

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) ﴾

المقصد الكلي للآيات

هذه الآيات الكريمة واردةٌ موردَ التأنيس والتسلية لرسول الله ﷺ، لما كان يلقاه من أذى المشركين واستهزائهم وتسفيههم، فخاطبه ربُّه خطاب العناية، وأعلمه بأنه مطلع على ما يجده في صدره من الضيق والانقباض بسبب أقوالهم، تسكينًا لقلبه، وتطمينًا لفؤاده، وإظهارًا لعظيم منزلته عنده.

وافتتاح الكلام بلام القسم وحرف التحقيق في قوله: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ﴾ دليلٌ على كمال الاعتناء بالمخبر عنه، وتأكيدٌ لمعنى الرعاية الإلهية، وتنبيهٌ على أن ما يجده النبي ﷺ ليس خافيًا على ربِّه، بل هو بعين العلم والإحاطة، وفي ذلك من أعظم ما يكون في التفريج والتنفيس.

معنى ضيق الصدر ودلالته النفسية

كنَّى الله تعالى بالصدر عن القلب، لأنه محله ومستقره، وضيق الصدر مجازٌ عن كدر النفس وامتلائها بما تكره، حتى كأنها تضيق عن احتمال ذلك الأذى. وهذا الضيق ليس نقصًا في مقام النبوة، بل هو من مقتضيات الجبلة البشرية والمزاج الإنساني، إذ الطبع يأنف من سماع الباطل، ويتأذى بالاستهزاء والتكذيب، ولا سيما إذا صدر ممن يُراد لهم الخير والهداية.

المنهج العلاجي الإلهي

ثم أرشد الله نبيَّه ﷺ إلى الدواء النافع، والعلاج الشافي لما يعرض له من هذا الضيق، فأمره بأوامر جامعة، هي قوام السكينة وراحة القلب:

أولها: التسبيح بحمد الله، أي: تنزيهه عما لا يليق به، مع الثناء عليه بنعمه، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا امتلأ قلبه بتعظيم الله ومعرفته، صغر في عينه ما سواه، وانقطعت علائق الالتفات إلى أقوال الخلق.

وثانيها: السجود، والمراد به الصلاة، وإنما عُبِّر عنها بالسجود لأنه أشرف أركانها، وحال القرب الأعظم، وفيه إظهار كمال الخضوع، والفناء عن النفس، وهو أرجى الأحوال لنزول الرحمة وارتفاع الكرب.

وثالثها: العبادة المطلقة، وهي شاملة لجميع وجوه القرب والطاعة، ومعنى الأمر فيها – وكذا فيما قبلها – ليس الابتداء، بل الدوام والاستمرار، أي: الزم ما أنت عليه من عبادة ربك، ولا تفتَّ في عضدك أقوال المعاندين.

سرّ تأثير العبادة في زوال الهم

وقد تكلّم العلماء في وجه كون هذه الطاعات سببًا لذهاب ضيق الصدر:

فقال العارفون: إن الاشتغال بالعبودية يورث شهود أنوار الربوبية، فإذا استولى نور المعرفة على القلب، صغرت الدنيا وأهلها، فلا يستوحش العبد من فقدها، ولا يفرح بوجودها، فيزول عنه الحزن والهم.

وقال أهل السنة: إن الفزع إلى الطاعة في حال الشدة إعلانٌ صريح بالعبودية، كأن العبد يقول بلسان حاله: أعبدك يا رب على كل حال، إن أعطيتني أو منعتني، فيطيب قلبه بالرضا، وتسكن نفسه بالتسليم.

ومن دقائق المقابلة: أن ما صدر من الكافرين كان اعتقادًا فاسدًا في القلوب، وقولًا قبيحًا بالألسنة، فأُمر النبي ﷺ بما يقابل ذلك: بالتنزيه، وهو عمل القلب، وبالسجود، وهو عمل الجوارح، ليطهر الباطن والظاهر معًا.

معنى اليقين ودوام التكليف

ثم قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾، والمراد باليقين عند جمهور السلف: الموت، وسُمِّي يقينًا لأنه أمر متحقق الوقوع لا محالة، والمعنى: دم على عبادة ربك مدة حياتك كلها.

وقيل: المراد باليقين النصر الموعود، إلا أن الأول أظهر وأشهر.

والغاية في قوله: ﴿حَتَّىٰ﴾ ليست لتحديد العبادة بوقت ينتهي عنده التكليف، بل لإفادة الدوام والاستمرار، دفعًا لتوهم من يظن أن الأمر بالعبادة يحصل بمرة واحدة.

وفي الآية ردٌّ صريح على من زعم أن بلوغ درجة من الكشف أو المعرفة يسقط التكليف، فإن رسول الله ﷺ – وهو أكمل الخلق يقينًا – لم يزل قائمًا بالعبادة حتى أتاه الموت.

لطائف بلاغية وفقهية

  • ومن لطائف الخطاب قوله: ﴿رَبَّكَ﴾ بإضافة الرب إلى ضمير المخاطب، لما في ذلك من التلطف والتأنيس، والإشعار بعلة الحكم، أي: لأنه ربك المتكفل بك، فالجأ إليه دون سواه.
  • وأجمع الفقهاء على أن هذه الآية ليست موضع سجدة تلاوة، وما نُقل خلاف ذلك فشاذٌّ مخالف للإجماع.
  • وخاتمة السورة بهذه الآيات مناسبة لمطلعها، إذ افتتحت باستهزاء المشركين بالرسول ﷺ، وخُتمت بتثبيته وتسليته، فكان الختام جوابًا عن ذلك الاستهزاء، وإظهارًا لعاقبة الصابرين.
  • بدأت الآيات بإثبات علم الله بضيق صدر النبي ﷺ، ثم انتقلت إلى توجيهه عمليًا، فكان التشخيص قبل العلاج، والعلاج قبل التكليف الممتد، وهو من أرقى أساليب المواساة والتثبيت.
  • التعبير بضيق الصدر يصوّر الألم النفسي المتراكم الناتج عن الأذى اللفظي المستمر، وهو أبلغ من ذكر الحزن؛ لأنه يدل على اختناق داخلي لا يُرى أثره ظاهرًا.
  • قوله: ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ يبرز أن الابتلاء هنا قوليٌّ لا فعلي، وفيه تنبيه إلى خطورة الكلمة، وأنها أشد وقعًا على أهل الدعوة من الأذى الجسدي.
  • قُدِّم تسبيح القلب واللسان على سجود الجوارح؛ لأن تصحيح العقيدة وتنزيه الله هو الأساس الذي تُبنى عليه العبادة العملية.
  • لم يُؤمر بالسجود مرة، بل بالانخراط في زمرة الساجدين، إشارة إلى دوام العبادة واتخاذها صفة وهوية لا مجرد فعل عارض.
  • إعادة لفظ ﴿رَبَّكَ﴾ تستحضر معنى الرعاية والتكفّل، وفيها تسلية للنبي ﷺ بأن من تولّى تربيته ونصره لن يخذله في مقام الابتلاء.
  • قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ يقرر أن العبادة لا تنقطع بحال، وفيه ردٌّ قاطع على دعاوى سقوط التكاليف بالمعرفة أو المقام.
  • في ﴿يَأْتِيَكَ﴾ تصوير للموت كأمرٍ محتوم يسعى إلى الإنسان، مما يعمّق الإحساس بالمراقبة والاستعداد الدائم.
  • اختُتمت السورة بتوجيه النبي ﷺ إلى العبادة لا بذكر مصير المستهزئين، للدلالة على أن أعظم نصر للداعية هو الثبات على منهجه لا الانشغال بالخصوم.
  • الآيات الثلاث ترسم منهجًا متكاملًا: تشخيص الألم، ثم علاج عاجل، ثم برنامج حياة مستمر، وهو من أعمق نماذج التربية الربانية للدعاة.


تمت المحاضرة بحمد الله.

المراجع

  • المحرر الوجيز لابن عطية
  • البحر المحيط لأبي حيان
  • مفاتيح الغيب للفخر الرازي
  • روح المعاني للألوسي
  • التحرير والتنوير لابن عاشور
 
عودة
أعلى