الأخوة النافعة

إنضم
11/01/2012
المشاركات
3,867
مستوى التفاعل
11
النقاط
38
العمر
69
الإقامة
الدوحة - قطر
الأخوة النافعة​

لا يستغني عاقل في حياته عن مصادقة ومصاحبة ومؤاخاة ومخاللة ، وتشترك هذه الألفاظ في بعض المعاني وتختلف في أخرى .
وقد عُرفت الصداقة والأخوة منذ القدم ، وكتب في هذه العلاقة بكل لسان ، وذكر فيها آداب وحِكَم بجميع لغات البشر .
ولا تبلغ كل هذه الكتابات معشار ما كتبه علماء الإسلام في ذلك ؛ من أجل أن هذه العلاقة في الإسلام قربة يتقرب بها إلى الله تعالى ، وعلاقة لها حقوقها وآدابها التي شرعها الله Y في شريعة الإسلام .
لقد رفع الإسلام من شأن هذه العلاقة ، وأصَّل لها قاعدة لا يخيب من تلاقى عليها، وهي : الحب في الله والبغض في الله ، إنها أوثق عرى الإيمان كما أخبر بذلك نبينا e .
إن الأخوة والصداقة والصحبة والخلة نافعة في الدنيا والآخرة إذا أسست على التقوى لله تعالى، وأما إذا بنيت على غير ذلك فلا تنفع أصحابها يقينًا في الآخرة ، وإن أصابهم بعض نفع دنيوي من ورائها ؛ قال الله تعالى : ] الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ [ الزخرف : 67 ] .
إن حاجة الناس لهذه الأخوة النافعة في الدنيا والآخرة ضرورية لحياة طيبة ، موصولة بحياة أطيب منها .
أما في الحياة الدنيا ، فقد قيل : الأخوَّة قرابةٌ مستفاده ؛ ويقال : الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين ؛ وقال الشاعر :

ومـا الـمرء إلا بإخوانه ... كما يقبض الكف بالمعصمِ​


ولا خير في الكف مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذمِ​
​

ولعلي t :

عليك بإخـوان الصفاء فإنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهـور​


وليس كثيرًا ألفُ خلٍ وصاحبٍ ... وإنَّ عـدوًّا واحـدًا لكـثير​
​

ولكن لا تبلغ الأخوة في واقع الناس ما بلغت أخوة الإيمان الذي تأسست على تلكم القاعدة : الحب في الله والبغض في الله ؛ قال ابن عباس - رضي الله عنهما : أحبب في الله ، وأبغض في الله ، وعاد في الله ، فإنه لا تنال موالاة الله إلا بذلك ، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان ولو كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك ؛ قال : ولقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا ، وذلك لا يجدي على أهله ، ثم قرأ ابن عباس : ] الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ [ الزخرف : 67 ] ، وقرأ : ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ [ المجادلة : 22 ] .
ومن هنا يمكن القول ، بأن المرء قد يصادق من يجد فيه المروءة والفضل ، فيمدح الأخوة والصداقة ، وقد يخالل من ليس كذلك ، فيظن انعدام الخل الموافي والصديق الصادق ؛ من أجل ذلك تضادت الأقوال في التآخي والتصادق والتخالل والتصاحب ؛ حتى لقد بلغ من بعضهم أن جعل ذلك من المستحيلات ، فقال بعضهم في هذا المعنى :

خليلي جـربت الزمان وأهله ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا​


وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد ... خـليلاً يـوفي بالعهود ولا أنا​
​

وقال آخر :

لما رأيت بني الزمان وما بهم ... خِلٌ وفيٌ للشدائد أصطفي​


فعلمت أن المستحيل ثلاثةٌ ... الغول والعنقاء والخِلُّ الوفي​
​

وللرِّياشيِّ :

إذا ذَهَب التكرُّم والوَفاء ... وباد رِجالُه وبَقَى الغُثَاءُ​


وأَسْلَمني الزَّمانُ إلى رِجالٍ ... كأمْثال الذِّئاب لها عُواء​
​


صَديق كلَّما استَغْنيت عنهم ... وأَعْداء إذا جَهَدَ البَلاء​
​


إذا ما جئتهم يَتدافَعوني ... كأنِّي أجربٌ آذاه داء​
​


أقولُ ولا ألاَم على مَقال ... على الإخوان كُلِّهم العَفاء​
​


وعلى النقيض من ذلك ؛ قيل : المرء كثيرٌ بأخيه ؛ وقيل : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي الصَّدِيقِ البَارِّ عِوَضًا عَنِ الرَّحِمِ المَذْمُومَةِ ؛ وقيل : أين مثل الأخ الصالح ؟ أهلك يقسمون ميراثك ، وهو قد تفرد بجدثك يدعو لك وأنت بين أطباق الأرض([1]).

اسـتكثرن من الإخوان إنهم ... خـير لكانزهم كنزًا من الذهب​


كم من أخٍ لك لو نابتك نائبة ... وجدته لك خيرًا من أخي النسب​
​

وروى ابن حبان في ( روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ) عن سفيان أنه قيل له : ما ماء العيش ؟ قال : لقاء الإخوان .ا.هـ .
والحق أن المؤاخاة إذا انضبطت بقواعد الشرع وآدابه ، فكانت في الله تعالى ، وروعي فيها الحقوق والآداب التي بينها الكتاب والسنة ، فنِعِمَّا هي ، وليستكثر منها من استطاع ، فإنها نافعة في الدنيا والآخرة .
وأما إذا كانت لدنيا فهي تبقى ما بقيت دنيا من يصادقه ، فإذا اختلت دنياه ، اختلت صداقة من صادقه وأخوة من آخاه؛ وقديمًا قيل: ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل .
فيجب على الإنسان أن لا يصحب إلا من له دين وتقوى ، فإن المحبة في الله تنفع في الدنيا والآخرة ، وما أحسن ما قال بعضهم :

وكل محبة في الله تبقى ... على الحالين من فرج وضيق​


وكل محبة فيما سواه ... فكالحلفاء في لهب الحـريق​
​

هذا ، والعلم عند الله تعالى .

[1] - انظر حلية الأولياء : 8 / 231 .


 
جزاك الله خيرا أستاذنا الفاضل الكريم .
ما أكثر الأدعياء وما أقل الصادقين ، مع أول محنة يتكشف لك كل زاعمي الأخوة ، ( أنا ) مع من بالغ وجعل ذلك من المستحيلات ، والسلام عليكم .
 
نعم ، ما أكثر الأدعياء وأقل الصادقين ، باتت تحكم العلاقات والروابط الإنسانية كلها وبلا استثناء : المصلحة والأنا ، وهذه نظرة واقعية وليست تشاؤمية .
جزاك الله خيرا أستاذ محمد .
 
عودة
أعلى