القَضَاءُ: قد أكثر أئمَّةُ اللُّغةِ في معناه، وآلت أقوالُهم إلى أنَّه إتمامُ الشَّيءِ قولًا وفِعلًا، فقضاءُ الشَّيءِ: إحكامُه وإمضاؤُه والفراغُ منه، قال الزَّجَّاجُ: قضى في اللُّغةِ على ضُروبٍ كُلُّها ترجِعُ إلى معنى انقِطاعِ الشَّيءِ وتمامِه. يقال: قضى اللهُ أمرًا، أي: قَدَّره وأراد خَلْقَه. وأصل (قضي): يدُلُّ على إحكامِ أمرٍ وإتقانِه وإنفاذِه لجِهَتِه .
وقد ورد لفظُ القَضاءِ ومشتقَّاتُه كثيرًا في القرآنِ الكريمِ، وكُلُّ معانيه ترجِعُ إلى الأصلِ السَّابقِ؛ فمن المعاني التي ورد بها:
1- معنى الأمرِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] .
أي: أمرَ سُبحانَه وتعالى بعبادتِه وَحْدَه لا شريكَ له .
2- معنى الإنهاءِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ [الحجر: 66] .
أي: تقدَّمنا إليه وأنْهيْنا .
3- معنى الحُكمِ.
ومنه قَولُه تعالى: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ [طه: 72] .
أي: احكُمْ، وافعَلْ ما شئتَ .
4- معنى الفراغِ.
ومنه قَولُه تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 12] .
أي: فرغ من تسويتِهِنَّ سَبْعَ سمواتٍ في يومين .
ومنه قَولُه تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص: 29] .
أي: فرغ من الأجَلِ الأوفى والأتَمِّ .
5- معنى الأداءِ.
ومنه قَولُه تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ [البقرة: 200] .
أي: أدَّيتُموها وفرَغْتُم منها ، وهذا يدخُلُ في المعنى السَّابق.
6- معنى الإعلامِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: 4] . أي: أعلَمْنا بني إسرائيلَ في الكتابِ الذي أُنزِلَ إليهم أنهم سيُفسِدون في الأرضِ مرَّتين .
7- معنى الموتِ.
يقال: ضرَبَه فقضى عليه، أي: قتَلَه .
ومنه قَولُه تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص: 15] .
أي: قتَلَه .
تلك هي أهَمُّ معاني القَضاءِ في اللُّغةِ، وهناك اشتقاقاتٌ أخرى .
تعريفُ القَدَرِ لُغةً
القَدَرُ لُغَةً: القَضاءُ والحُكمُ، وهو ما يُقَدِّرُه اللهُ عزَّ وجَلَّ من القَضاءِ ويحكُمُ به من الأمورِ على مَبالِغِها ونهاياتِها التي أرادها لها، ومنه ذِكرُ (ليلةِ القَدْرِ) وهي اللَّيلةُ التي تُقَدَّرُ فيها الأرزاقُ وتُقضى. وأصلُ (قدر): يدُلُّ على مَبلَغِ الشَّيءِ وكُنْهِه ونهايتِه( .
قال اللِّحْيَانيُّ: (إنَّ القَدَر بفتحِ الدَّالِ هو: الاسمُ، والقَدْرُ بسكونِ الدَّالِ هو: المصدَرُ)( .
ويُطلَق القَدَرُ على معانٍ؛ منها:
1- معنى الحُكمِ والقَضاءِ.
ومن ذلك حديثُ الاستخارةِ، وفيه: ((فاقدُرْه لي ويسِّرْه لي ))( ( .
2- معنى الطَّاقةِ.
ومن ذلك قَولُه تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: 236] بفتح الدَّالِ، وقُرئَ بإسكانِها( .
3- معنى التضييقِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:16] ( .
4- معنى التقديرِ.
ومنه الحديث: ((فإن غُمَّ عليكم فاقْدُروا له ))( .
أي: قَدِّروا له عدَدَ الشَّهرِ حتى تُكمِلوه ثلاثين يومًا، وقيل: قَدِّروا له منازِلَ القَمَرِ، فإنَّه يَدُلُّكم على أنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرون أو ثلاثون( .
ويقالُ: قَدَّره: إذا قاسه، وقدَّرتُ الشَّيءَ، أي: هيَّأتُ. والقُدْرةُ تأتي بمعنى اليسارِ، والغنى، والقُوَّةِ( .
تلك من أهَمِّ معاني (القَدَر) لغة. وهناك معانٍ أخرى تعرَّضت لها كُتُبُ اللُّغةِ( .
معنى القَضاءِ والقَدَرِ اصطلاحًا
القَضاءُ والقَدَرُ في الاصطلاحِ: هو تقديرُ اللهِ تعالى الأشياءَ منذُ القِدَمِ، وعِلْمُه سُبحانَه أنها ستقعُ في أوقاتٍ معلومةٍ عنده، وعلى صفاتٍ مخصوصةٍ، وكتابتُه سُبحانَه لذلك، ومشيئتُه له، ووقوعُها على حَسَبِ ما قدَّرها، وخَلْقُه لها( .
قال الخطابيُّ: (قد يحسَبُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ أنَّ معنى القَدَرِ مِنَ اللهِ والقَضاءِ منه معنى الإجبارِ والقَهرِ للعَبدِ على ما قضاه وقدَّره... وليس الأمرُ في ذلك على ما يتوهَّمونه، وإنما معناه الإخبارُ عن تقدُّمِ عِلمِ اللهِ سُبحانَه بما يكونُ من أفعالِ العبادِ وأكسابِهم، وصُدورُها عن تقديرٍ منه وخَلقٍ لها خيرِها وشَرِّها، والقَدَرُ اسمٌ لِما صدر مُقدَّرًا عن فعلِ القادِرِ كما الهَدمُ والقَبضُ والنَّشرُ أسماءٌ لما صدر عن فعلِ الهادِمِ والقابضِ والنَّاشرِ، يقال: قَدَرْتُ الشَّيءَ وقَدَّرْتُ، خفيفةً وثقيلةً بمعنًى واحدٍ، والقَضاءُ في هذا معناه الخَلقُ، كقَولِه عزَّ وجَلَّ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 12] أي: خلقَهنَّ، وإذا كان الأمرُ كذلك فقد بقي عليهم من وراءِ عِلمِ اللهِ فيهم أفعالُهم وأكسابُهم ومباشرتُهم تلك الأمورَ وملابسَتُهم إيَّاها عن قَصدٍ وتعَمُّدٍ وتقديمِ إرادةٍ واختيارٍ، فالحُجَّةُ إنما تلزَمُهم بها واللائِمةُ تلحَقُهم عليها)( .
وقال ابنُ عثيمين: (القَدَرُ في اللُّغةِ بمعنى: التقديرِ؛ قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، وقال تعالى: فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات: 23] .
- وأمَّا القَضاءُ فهو في اللُّغةِ: الحُكمُ.
ولهذا نقولُ: إنَّ القَضاءَ والقَدَرَ متباينانِ إن اجتَمَعا، ومترادفان إن تفَرَّقا؛ على حَدِّ قَولِ العُلَماءِ: هما كَلِمتان: إن اجتَمَعتا افترقَتا، وإن افتَرَقتا اجتَمَعتا.
فإذا قيل: هذا قدَرُ اللهِ، فهو شامِلٌ للقَضاءِ، أمَّا إذا ذُكِرا جميعًا فلكُلِّ واحدٍ منهما معنًى.
- فالتقديرُ: هو ما قدَّره اللهُ تعالى في الأزَلِ أن يكونَ في خَلْقِه.
- وأمَّا القَضاءُ فهو ما قضى به اللهُ سُبحانَه وتعالى في خَلْقِه من إيجادٍ أو إعدامٍ أو تغييرٍ، وعلى هذا يكونُ التقديرُ سابِقًا.
* فإن قال قائِلٌ: متى قلنا: إنَّ القَضاءَ هو ما يقضيه اللهُ سُبحانَه وتعالى في خَلْقِه من إيجادٍ أو إعدامٍ أو تغييرٍ، وإنَّ القَدَرَ سابِقٌ عليه إذا اجتمعا؛ فإن هذا يعارِضُ قَولَه تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] ؛ فإنَّ هذه الآيةَ ظاهِرُها أنَّ التقديرَ بعد الخَلْقِ؟
فالجوابُ على ذلك من أحَدِ وَجهَينِ:
- إمَّا أن نقولَ: إنَّ هذا من بابِ الترتيبِ الذِّكْري لا المعنويِّ...
وهذا لا يدُلُّ على أنَّ المتأخِّرَ في اللَّفظِ متأخِّرٌ في الرُّتبةِ.
- أو نقول: إنَّ التقديرَ هنا بمعنى التسويةِ، أي: خلقه على قَدرٍ مُعَيَّنٍ؛ كقَولِه تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: 2] ؛ فيكونُ التقديرُ بمعنى التسويةِ. وهذا المعنى أقرَبُ مِنَ الأوَّلِ؛ لأنَّه مطابِقٌ تمامًا لقَولِه تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى؛ فلا إشكالَ)( .
حُكمُ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ، وأدِلَّتُه
الأدِلَّةُ العامَّةُ من القرآنِ الكريمِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ
وردت في كتابِ اللهِ تعالى آياتٌ تدلُّ على أنَّ الأمورَ تجري بقَدَرِ اللهِ تعالى، وعلى أنَّ اللهَ تعالى عَلِمَ الأشياءَ وقدَّرها في الأزَلِ، وأنها ستقع على وَفقِ ما قدَّرها اللهُ سُبحانَه وتعالى؛ ومن ذلك( :
1- قولُ اللهِ تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49].
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((جاء مُشركِو قُرَيشٍ يخاصمون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في القَدَرِ، فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 48-49] ))( .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنَّا خلَقْنا كُلَّ شَيءٍ بمقدارٍ قدَّرناه وقضيناه، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه توعَّد هؤلاء المجرِمين على تكذيبِهم في القَدَرِ مع كُفرِهم به)( .
وقال ابنُ جُزَي: (المعنى: أنَّ اللهَ خَلَق كُلَّ شَيءٍ بقَدَرٍ، أي: بقضاءٍ معلومٍ سابقٍ في الأزَلِ، ويحتَمِلُ أن يكونَ معنى: بِقَدَرٍ بمقدارٍ في هيئتِه وصِفَتِه وغيرِ ذلك، والأوَّلُ أرجَحُ، وفيه حُجَّةٌ لأهلِ السُّنَّةِ على القَدَريَّةِ)( .
وقال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، كقَولِه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] وكقَولِه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:1-3] أي: قدَّر قَدَرًا، وهدى الخلائِقَ إليه؛ ولهذا يستَدِلُّ بهذه الآيةِ الكريمةِ أئمَّةُ السُّنَّةِ على إثباتِ قَدَرِ اللهِ السَّابِقِ لخَلْقِه، وهو عِلْمُه الأشياءَ قبل كونها وكتابتُه لها قبل بَرْئِها، وردُّوا بهذه الآيةِ وبما شاكلها من الآياتِ، وما ورد في معناها من الأحاديثِ الثَّابتاتِ، على الفِرقةِ القَدَريَّةِ الذين نبغوا في أواخِرِ عَصرِ الصَّحابةِ)( .
وقال السعدي: (هذا شامِلٌ للمخلوقاتِ والعوالمِ العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ؛ أنَّ اللهَ تعالى وَحْدَه خلَقَها لا خالِقَ لها سواه، ولا مشارِكَ له في خَلْقِها، وخَلَقها بقضاءٍ سبق به عِلْمُه، وجرى به قَلَمُه، بوقتِها ومقدارِها، وجميعِ ما اشتملت عليه من الأوصافِ، وذلك على اللهِ يسيرٌ)( .
2- قَولُ اللهِ سُبحانَه: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: 38] .
قال ابنُ جرير: (يقول: وكان أمرُ اللهِ قَضاءً مقضِيًّا)( .
وقال ابنُ كثير: (أي: وكان أمرُه الذي يُقَدِّرُه كائنًا لا محالةَ، وواقِعًا لا محيدَ عنه ولا مَعدِلَ، فما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ)( .
3- قَولُ اللهِ تعالى عن موسى عليه السَّلامُ: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه: 40] .
قال ابنُ كثير: (جاء موافِقًا لقَدَرِ اللهِ وإرادتِه من غيرِ مِيعادٍ، والأمرُ كلُّه للهِ تبارك وتعالى)( .
وقال السَّعْديُّ: (أي: جِئتَ مجيئًا قد مضى به القَدَرُ، وعَلِمَه اللهُ وأراده في هذا الوَقتِ وهذا الزَّمانِ وهذا المكانِ، ليس مجيئُك اتِّفاقًا من غيرِ قَصدٍ ولا تدبيرٍ مِنَّا، وهذا يدُلُّ على كمالِ اعتِناءِ اللهِ بكليمِه موسى عليه السَّلامُ)( .
4- قولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال: 42] .
قال السعدي: (أي: مُقَدَّرًا في الأزَلِ، لا بدَّ من وقوعِه)( .
قال ابنُ القَيِّمِ: (كلُّ دليلٍ في القرآنِ على التوحيدِ فهو دليلٌ على القَدَرِ وخَلْقِ أفعالِ العِبادِ، ولهذا كان إثباتُ القَدَرِ أساسَ التوحيدِ)( .
الأدِلَّةُ العامَّةُ مِنَ السُّنَّة النَّبَويَّةِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ
دلَّت نصوصُ السُّنَّةِ الشَّريفةِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ، والأحاديثُ الواردةُ في ذلك كثيرةٌ، منها:
1- عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ سأل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الإيمانِ، فقال: ((أن تؤمِنَ باللهِ وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، وتؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه ))( .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ... حاصِلُه: هو ما دَلَّ عليه قَولُه تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقَولُه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وقَولُه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وإجماعُ السَّلَفِ والخَلَفِ على صِدقِ قَولِ القائِلِ: ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ)( .
وقال المظهريُّ في شَرحِ الحديثِ: (أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يقولون: جميعُ ما يجري في العالمِ مِنَ الخيرِ والشَّرِّ، والكُفرِ والإيمانِ، والطَّاعةِ والعصيانِ، وغيرِ ذلك، كُلُّها بتقديرِ اللهِ تعالى وقضائِه، ولكِنْ للعبادِ اختيارُها؛ فالتقديرُ مِنَ اللهِ، والكَسْبُ من العبادِ، ويخلُقُ اللهُ تعالى الأفعالَ في العبادِ؛ كُلُّ فعلٍ في الوقتِ الذي قَدَّره في الأزَلِ، والتقديرُ والفِعلُ يجريان معًا، لا يجري الفِعلُ بدون تقديرِ اللهِ، ولا التقديرُ بحُصولِ الأفعالِ في العبادِ بدونِ اختيارِهم واكتسابِهم، فهم مُثابون بالخيرِ ومُعاقَبون بالشَّرِّ بسَبَبِ أنَّ لهم اختيارًا في الفِعلِ.
ومن لم يكُنْ له اختيارٌ، كالمجنونِ والصَّبيِّ والنَّائِمِ والمُغمى عليه والمُكْرَهِ، فهم كالمرتَعِشِ في أنه لا مؤاخَذةَ عليهم بأفعالِهم فيما هو حَقُّ اللهِ تعالى، وأمَّا ما هو حقُّ العبادِ، كإتلافِ المالِ وقَتلِ النَّفسِ، فهم يؤاخَذون بالغُرمِ.
والمرتَعِشُ: هو الذي تتحرَّكُ أعضاؤه بغيرِ اختيارِه مِن عِلَّةٍ، والثوابُ والعقابُ يتعلَّقان بما في العبدِ من الاختيارِ.
وعِلَّةُ تكريرهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لفظةَ «تُؤمِن»، فقال: ((وتؤمِنَ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه)) للتأكيدِ؛ لأنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ أحوَجُ إلى المبالغةِ فيه؛ لأنَّ الإيمانَ باللهِ وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ ظاهِرٌ مشهورٌ عند المسلمين، وأمَّا الإيمانُ بالقَدَرِ لا يعلَمُه كُلُّ أحدٍ إلَّا حاذِقٌ في علومِ الدِّينِ، فلأجْلِ هذا أكَّد وكَرَّر لفظة: «تؤمن» عند لفظِ: «القَدَر»)( .
وقال علي القاري: (المعنى: تعتَقِدُ أنَّ اللهَ قَدَّر الخيرَ والشَّرَّ قبل خَلقِ الخلائِقِ، وأنَّ جميعَ الكائناتِ متعَلِّقٌ بقضاءِ اللهِ مُرتَبِطٌ بقَدَرِه. قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: 78] ، وهو مريدٌ لها؛ لقَولِه تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: 125] ، فالطَّاعاتُ يحِبُّها ويرضاها بخلافِ الكُفرِ والمعاصي. قال تعالى: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: 7] ، والإرادةُ لا تستلزمُ الرِّضا)( .
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن آل الشَّيخِ: (في هذا الحديثِ أنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ من أصولِ الإيمانِ السِّتَّةِ المذكورةِ، فمن لم يؤمِنْ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه فقد ترك أصلًا من أصولِ الدِّينِ وجحده، فيُشبِهُ من قال اللهُ فيهم: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: 85] الآية)(
2- عن أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لكُلِّ شيءٍ حقيقةٌ وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يَعلمَ أنَّ ما أصابَهُ لَم يكُن ليُخطِئَهُ وما أخطأهُ لَم يكُن ليُصيبَهُ ))( .
قال المباركفوي: ( ((حتى يعلَمَ أنَّ ما أصابه)) من النِّعمةِ والبَلِيَّةِ والطَّاعةِ والمعصيةِ ممَّا قَدَّره اللهُ له وعليه ((لم يكُنْ ليخطِئَه)) أي: يجاوِزَه ((وأنَّ ما أخطأه)) من الخيرِ والشَّرِّ ((لم يكُنْ لِيُصيبَه))، وهذا وُضِعَ مَوضِعَ المحالِ، كأنَّه قيل: مُحالٌ أن يخطِئَه... وهو مضمونُ قَولِه تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا، وفيه حَثٌّ على التوكُّلِ والرِّضاءِ، ونَفيِ الحَولِ والقُوَّةِ، وملازمةِ القناعةِ والصَّبرِ على المصائبِ)(
3- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يؤمِنُ عَبدٌ حتى يؤمِنَ بأربَعٍ: يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي محمَّدٌ رسولُ اللهِ بعَثَني بالحَقِّ، ويؤمِنُ بالموتِ، وبالبَعثِ بعد الموتِ، ويؤمِنُ بالقَدَرِ ))( .
قال المظهري: (قَوله: ((ولا يؤمِنُ عَبدٌ)): هذا نفيُ أصلِ الإيمانِ، لا نَفيُ الكَمالِ؛ فمن لم يؤمِنْ بواحِدٍ مِن هذه الأربعةِ لم يكُنْ مُؤمِنًا...
والرَّابعُ: أن يؤمِنَ بالقَدَرِ، يعني: يعتَقِدُ أنَّ جميعَ ما يجري في العالمِ بقَضاءِ اللهِ تعالى وقُدرتِه)( .
وقال علي القاري: ( ((لا يؤمِنُ عَبدٌ)): هذا نفيُ أصلِ الإيمانِ، أي: لا يُعتَبَرُ ما عنده من التصديقِ القَلبيِّ)( .
4- عن طاوسَ بنِ كَيسانَ قال: (أَدْرَكْتُ نَاسًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولونَ: كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ)، قالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ يقولُ: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ، حتَّى العَجْزُ وَالْكَيْسُ، أَوِ الكَيْسُ وَالْعَجْزُ ((( .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (معنى هذا الحديثِ: أنَّ ما من شيءٍ يقَعُ في هذا الوجودِ كائِنًا كان إلَّا وقد سبق به عِلمُ اللهِ تعالى، ومشيئتُه، سواءٌ كان من أفعالِنا أو صفاتِنا، أو من غيرِها، ولذلك أتى ب «كُل» التي هي للاستغراقِ والإحاطةِ، وعَقَّبها بحتى التي هي للغايةِ، حتى لا يخرُجَ عن تلك المقَدِّمةِ الكُلِّيَّةِ من المُمكِناتِ شَيءٌ، ولا يُتوَهَّمَ فيها تخصيصٌ، وإنما جُعِل العَجزُ والكَيسُ غايةً لذلك ليُبَيِّنَ أنَّ أفعالَنا وإن كانت معلومةً ومُرادةً لنا، فلا تقَعُ مِنَّا إلَّا بمشيئةِ اللهِ تعالى وإرادتِه وقدرتِه، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)(
1- قال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: (أجمع سبعون رجلًا من التابعين، وأئمَّةِ المُسلِمين، وأئمَّةِ السَّلَفِ، وفُقهاءِ الأمصارِ؛ على أنَّ السُّنَّةَ التي توُفِّيَ عليها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أوَّلُها الِّرضا بقضاءِ اللهِ، والتسليمُ لأمرِ اللهِ، والصَّبرُ تحتَ حُكمِه، والأخذُ بما أمر اللهُ به، والنهيُ عمَّا نهى عنه، وإخلاصُ العَمَلِ للهِ، والإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، وتَرْكُ المِراءِ والجِدالِ والخُصوماتِ في الدِّينِ)(
.
2- قال إسحاقُ بنُ هانئٍ: (حضَرْتُ رجلًا عند أبي عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبَلٍ، وهو يسألُه، فجعل الرَّجُلُ يقولُ: يا أبا عبدِ اللهِ، رأسُ الأمرِ وإجماعُ المُسلِمين على أنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلوِه ومُرِّه، والتسليمَ لأمْرِه، والرِّضا بقضائِه؟
فقال أبو عبد اللهِ: نعم)( .
3- قال البخاريُّ: (لقيتُ أكثَرَ مِن ألْفِ رَجُلٍ مِن أهلِ العِلمِ؛ أهلِ الحِجازِ ومكَّةَ والمدينةِ والكوفةِ والبَصرةِ وواسِطٍ وبَغدادَ والشَّامِ ومِصرَ، لَقِيتُهم كَرَّاتٍ قَرنًا بعد قَرنٍ ثمَّ قَرنًا بعد قَرنٍ، أدركتُهم وهم متوافِرون منذُ أكثَرَ مِن سِتٍّ وأربعين سنةً... فما رأيتُ واحِدًا منهم يختَلِفُ في هذه الأشياءِ:... وأنَّ الخيرَ والشَّرَّ بقَدَرٍ؛ لقَولِه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلْقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: 2] ، ولقَولِه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] ، ولقَولِه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49])( .
4- قال أبو زُرعةَ وأبو حاتمٍ الرَّازيان: (أدرَكْنا العُلَماءَ في جميعِ الأمصارِ؛ حِجازًا وعِراقًا وشامًا ويَمَنًا، فكان من مَذهَبِهم:... والقَدَرُ خَيرُه وشَرُّه مِنَ اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .
5- قال ابنُ قُتيبةَ: (إنَّ أصحابَ الحَديثِ كُلَّهم مجمِعون على أنَّ ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لا يكونُ، وعلى أنَّه خالِقُ الخَيرِ والشَّرِّ)( .
6- قال أبو الحسَنِ الأشعريُّ: (هذه حكايةُ جُملةِ قَولِ أصحابِ الحَديثِ وأهلِ السُّنَّةِ... والإيمانُ عِندَهم هو: الإيمانُ باللهِ، وملائِكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلْوِه ومُرِّه، وأنَّ ما أخطأهم لم يكُنْ لِيُصيبَهم، وما أصابهم لم يكُنْ لِيُخطِئَهم)( .
7- قال الإسماعيليُّ: (مَذهَبُ أهلِ الحديثِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ... ويقولونَ: إنَّ الخَيرَ والشَّرَّ والحُلْوَ والمُرَّ، بقَضاءٍ من اللهِ عزَّ وجَلَّ، أمضاه وقَدَّره، لا يملِكون لأنفُسِهم ضَرًّا ولا نفعًا إلَّا ما شاء اللهُ)( .
8- قال عبدُ الغَنيِّ المَقدِسيُّ: (أجمع أئمَّةُ السَّلَفِ مِن أهلِ الإسلامِ على الإيمانِ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلْوِه ومُرِّه، قليلِه وكثيرِه، بقَضاءِ اللهِ وقَدرِه، لا يكونُ شيءٌ إلَّا بإرادتِه، ولا يجري خيرٌ وشَرٌّ إلَّا بمشيئتِه، خَلَق من شاء للسَّعادةِ واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشَّقاءِ واستعمله به عدلًا، فهو سِرٌّ استأثر به، وعِلمٌ حَجَبه عن خَلْقِه، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)( .
9- قال النووي: (اعلَمْ أنَّ مَذهَبَ أهلِ الحَقِّ إثباتُ القَدَر، ومعناه: أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قدَّر الأشياءَ في القِدَمِ، وعَلِم سُبحانَه أنها ستقع في أوقاتٍ معلومةٍ عنده سُبحانَه وتعالى، وعلى صفاتٍ مخصوصةٍ، فهي تقَعُ على حَسَبِ ما قدَّرها سُبحانَه وتعالى)( .
10- قال ابنُ تيميَّةَ: (تؤمِنُ الفِرقةُ النَّاجيةُ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه)( .
وقال أيضًا: (ممَّا اتَّفَق عليه سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مع إيمانِهم بالقَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ: أنَّ العِبادَ لهم مشيئةٌ وقُدرةٌ يفعلون بمشيئتِهم وقُدرتِهم ما أقدَرَهم اللهُ عليه مع قَولِهم: إنَّ العبادَ لا يشاؤونَ إلَّا أن يشاءَ اللهُ. كما قال اللهُ تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 54 - 56] الآية. وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 29، 30]، وقال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29]، والقرآنُ قد أخبر بأنَّ العبادَ يُؤمِنون ويَكفُرون ويفعلون ويَعمَلون ويَكسِبون ويُطيعون ويَعصُون ويُقيمون الصَّلاةَ ويُؤتون الزكاةَ ويحُجُّون ويعتَمِرون ويقتُلون ويَزنون ويَسرِقون ويَصدُقون ويَكذِبون ويأكُلون ويَشرَبون ويقاتِلون ويحارِبون، فلم يكُنْ من السَّلَفِ والأئمَّةِ من يقولُ: إنَّ العبدَ ليس بفاعلٍ ولا مختارٍ ولا مُريدٍ ولا قادرٍ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّه فاعِلٌ مجازًا، بل من تكلَّم منهم بلفظِ الحقيقةِ والمجازِ مُتَّفِقون على أنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً، واللهُ تعالى خالِقُ ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه)( .
وقال أيضًا: (سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مُتَّفِقون أيضًا على أنَّ العبادَ مأمورون بما أمرهم اللهُ به منهيُّون عما نهاهم اللهُ عنه، ومُتَّفِقون على الإيمانِ بوَعدِه ووعيدِه الذي نطق به الكِتابُ والسُّنَّةُ، ومُتَّفِقون أنَّه لا حُجَّةَ لأحدٍ على اللهِ في واجبٍ تركَه ولا محرَّمٍ فَعَله، بل للهِ الحُجَّةُ البالغةُ على عبادِه، ومن احتجَّ بالقَدَرِ على تَركِ مأمورٍ أو فعلِ محظورٍ أو دَفْعِ ما جاءت به النصوصُ في الوعدِ والوعيدِ، فهو أعظَمُ ضَلالًا وافتراءً على اللهِ ومخالفةً لدينِ اللهِ من أولئك القَدَريَّةِ)( .
ومن أقوالِ السَّلَفِ وأهلِ العِلمِ في وُجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ:
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (القَدَرُ نِظامُ التوحيدِ، فمن وحَّد اللهَ عزَّ وجَلَّ، وآمن بالقَدَرِ، فهي العُروةُ الوُثقى التي لا انفصامَ لها، ومن وحَّد اللهَ تعالى، وكذَّب بالقَدَرِ، نَقَض التوحيدَ)( .
2- عن الحَسَنِ البصريِّ قال: (من كَفَر بالقَدَرِ، فقد كفر بالإسلامِ؛ إنَّ اللهَ خَلَق خَلقًا، فخلقهم بقَدَرٍ، وقسَّم الآجالَ بقَدَرٍ، وقسَّم أرزاقَهم بقَدَرٍ، والبلاءُ بقَدَرٍ، والعافيةُ بقَدَرٍ)( .
3- عن زيدِ بنِ أسلَمَ قال: (القَدَرُ قُدرةُ اللهِ عزَّ وجَلَّ، فمن كذَّب بالقَدَرِ، فقد جحد قُدرةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .
4- قال البُخاريُّ: سَمِعتُ عُبَيدَ اللهِ بنَ سَعيدٍ يقولُ: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: ما زِلتُ أسمع أصحابَنا يقولون: (إنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ)( .
5- قال مالِكٌ: (ما أضَلَّ من كذَّب بالقَدَرِ! لو لم يكُنْ عليهم فيه حُجَّةٌ إلَّا قَولُه تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن: 2] لكفى بها حُجَّةً)( .
6- قال الشَّافعيُّ في وصيَّتِه: (... وأنَّ القَدَرَ خَيرَه وشَرَّه من اللهِ عزَّ وجَلَّ، لا يكونُ إلَّا ما أراد اللهُ وقضاه وقَدَّره)( .
وقال البيهقيُّ: (سُئِلَ الشَّافعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه عن القَدَرِ، فأنشأ يقولُ:
ما شِئتَ كان وإنْ لم أشَأْ وما شِئتُ إن لم تشَأْ لم يَكُنْ
خَلَقْتَ العِبادَ على ما عَلِمْتَ ففي العِلمِ يجري الفتى والمُسِنّْ
على ذا مَنَنْتَ وهذا خذَلْتَ وهذا أعَنْتَ وذا لم تُعِنْ
فمنهم شَقيٌّ ومنهم سعيدٌ ومنهم قبيحٌ ومنهم حَسَنْ
وعلى نحوِ قَولِ الشَّافعيِّ رَضِيَ اللهُ عنه في إثباتِ القَدَرِ للهِ، ووقوعِ أعمالِ العِبادِ بمشيئةِ اللهِ، دَرَج أعلامُ الصَّحابةِ والتابعينَ، وإلى مِثْلِ ذلك ذهب فُقَهاءُ الأمصارِ: الأوزاعيُّ، ومالِكُ بنُ أنَسٍ، وسفيانُ الثوريُّ، وسفيانُ بنُ عُيَينةَ، واللَّيثُ بنُ سَعدٍ، وأحمدُ بنُ حَنبلٍ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ، وغيرُهم، رَضِيَ اللهُ عنهم، وحكينا عن أبي حنيفةَ رحمه اللهُ مِثْلَ ذلك، وهو فيما أخبرنا أبو عبد اللهِ الحافِظُ قال: سمعتُ أبا بكرٍ محمَّدَ بنَ جَعفَرٍ المزكِّي يقولُ: نا أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ مسعودٍ المرِّي قال: نا سعدُ بنُ مُعاذٍ قال: ثنا إبراهيمُ بنُ رُستُمَ قال: سمعتُ أبا عِصمةَ يقولُ: سألتُ أبا حنيفةَ: مَن أهلُ الجماعةِ؟ قال: من فضَّل أبا بكرٍ وعُمَرَ، وأحَبَّ عليًّا وعثمانَ، وآمَنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ)( .
7- قال الحميدي: (السُّنَّةُ عندنا أن يؤمِنَ الرَّجُلُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه حُلْوِه ومُرِّه، وأن يعلَمَ أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه، وأنَّ ما أخطأه لم يكُنْ لِيُصيبَه، وأنَّ ذلك كُلَّه قضاءٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .
8- قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: (نؤمِنُ بالقَضاءِ والقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلْوِه ومُرِّه من اللهِ)( .
وقال أيضًا: (القَدَرُ خَيرُه وشَرُّه، وقليلُه وكثيرُه، وظاهِرُه وباطِنُه، وحُلْوُه ومُرُّه، ومحبوبُه ومكروهُه، وحَسَنُه وسَيِّئُه، وأوَّلُه وآخِرُه: مِنَ اللهِ، قضاءً قضاه، وقَدَرًا قَدَّره عليهم، لا يعدو واحِدٌ منهم مشيئةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ، ولا يجاوِزُ قَضاءَه)( .
9- قال ابنُ قتيبة: (عَدلُ القَولِ في القَدَرِ أن تعلَمَ أنَّ اللهَ عَدلٌ لا يجورُ، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنَّه لا يخرجُ من قُدرتِه شَيءٌ، ولا يكونُ في مَلَكوتِه من السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا ما أراد، وأنَّه لا دَيْنَ لأحَدٍ عليه، ولا حَقَّ لأحدٍ قِبَلَه، فإن أعطى فبفَضلٍ، وإن منع فبعَدلٍ، وأنَّ العبادَ يستطيعون ويعمَلون، ويُجَزون بما يَكسِبون، وأنَّ للهِ لطيفةً يبتدئُ بها من أراد، ويتفضَّلُ بها على من أحَبَّ، ويوقِعُها في القلوبِ فيعودُ بها إلى طاعتِه، ويمنعُها من حَقَّت عليه كَلِمَتُه، فهذه جملةُ ما ينتهي إليه عِلمُ ابنِ آدَمَ مِن قَدَرِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وما سِوى ذلك مخزونٌ عنه)( .
10- قال الطحاويُّ: (خلق الخَلْقَ بعِلْمِه، وقدَّر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا، ولم يَخْفَ عليه شيءٌ قبل أن يخلُقَهم، وعَلِمَ ما هم عاملون قبل أن يخلُقَهم، وأمرهم بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه.
وكُلُّ شيءٍ يجري بتقديرِه ومشيئتِه، ومشيئتُه تَنفُذُ، لا مشيئةَ للعِبادِ إلَّا ما شاء لهم، فما شاء كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، يهدي من يشاءُ، ويَعصِمُ ويُعافي فضلًا، ويُضِلُّ من يشاءُ، ويَخذُلُ ويبتلي عَدْلًا. وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئتِه بين فَضْلِه وعَدْلِه. وهو متعالٍ عن الأضدادِ والأندادِ، لا رادَّ لقَضائِه، ولا مُعَقِّبَ لحُكمِه، ولا غالِبَ لأمرِه. آمَنَّا بذلك كُلِّه، وأيقَنَّا أنَّ كلًّا مِن عِندِه)( .
وقال أيضًا: (قد عَلِمَ اللهُ تعالى فيما لم يَزلْ عدَدَ من يدخُلُ الجنَّةَ، وعَدَدَ من يدخُلُ النَّارَ، جملةً واحدةً، لا يُزادُ في ذلك العَدَدِ، ولا يُنقَصُ منه. وكذلك أفعالِهم فيما عَلِم منهم أن يفعَلوه، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، والأعمالُ بالخواتيمِ، والسَّعيدُ من سَعِدَ بقَضاءِ اللهِ، والشَّقيُّ من شَقِيَ بقَضاءِ اللهِ)( .
11- قال الآجُرِّي: (مذهَبُنا في القَدَرِ أن نقولَ: إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ خلق الجَنَّةَ وخلق النَّارَ، وخلق لكُلِّ واحدةٍ منهما أهلًا، وأقسم بعِزَّتِه أنَّه يملأ جهنَّمَ من الجِنَّةِ والنَّاسِ أجمعين. ثم خلق آدمَ عليه السَّلامُ، واستخرج من ظَهْرِه كُلَّ ذُريةٍ هو خالقُها إلى يومِ القيامةِ. ثمَّ جَعَلهم فريقينِ: فريقًا في الجنَّةِ وفريقًا في السعيرِ. وخلق إبليسَ، وأمره بالسُّجودِ لآدمَ، وقد عَلِم أنَّه لا يسجُدُ؛ للمقدورِ الذي قد جرى عليه من الشِّقوةِ والتي سبقت في العِلمِ من اللهِ عليه، لا معارِضَ للهِ في حُكمِه، يفعَلُ في خلْقِه ما يريدُ عدلًا من ربِّنا قضاؤه وقَدَرُه. وخلق آدمَ وحوَّاءَ عليهما السَّلامُ، للأرضِ خلَقَهما، أسكنهما الجنَّةَ، وأمرَهما أن يأكُلَا منها رَغَدًا ما شاءا، ونهاهما عن شَجَرةٍ واحدةٍ أن يَقْرَباها، وقد جرى مقدورُه أنهما سيعصيانِه بأكْلِهما من الشَّجَرةِ. فهو تبارك وتعالى في الظَّاهِرِ ينهاهما، وفي الباطِنِ مِن عِلْمِه قد قدَّر عليهما أنهما يأكُلانِ منها: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ لم يكُنْ لهما بُدٌّ من أكْلِهما، سببًا للمعصيةِ، وسببًا لخروجِهما من الجنَّةِ؛ إذ كانا للأرضِ خُلِقا، وأنه سيَغفِرُ لهما بعد المعصيةِ، كُلُّ ذلك سابِقٌ في عِلْمِه، لا يجوزُ أن يكون شيءٌ يحدثُ في جميعِ خَلْقِه إلَّا وقد جرى مقدورُه به، وأحاط به علمًا قبل كونِه أنَّه سيكونُ.
خلق الخَلْقَ كما شاء لما شاء، فجعلهم شقيًّا وسعيدًا قبل أن يخرِجَهم إلى الدُّنيا، وهم في بطونِ أمَّهاتِهم، وكتب آجالَهم، وكتب أرزاقَهم، وكتب أعمالَهم، ثم أخرجَهم إلى الدُّنيا، وكُلُّ إنسانٍ يسعى فيما كُتِبَ له وعليه.
ثم بعث رُسُلَه، وأنزل عليهم وَحْيَه، وأمرهم بالبلاغِ لخَلْقِه، فبلَّغوا رسالاتِ رَبِّهم، ونصحوا قومَهم، فمن جرى في مقدورِ اللهِ تعالى أن يؤمِنَ آمَنَ، ومن جرى في مقدورِه أن يَكفُرَ كَفَر؛ قال اللهُ تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن: 2] أحبَّ من أراد من عبادِه، فشَرَح صَدْرَه للإسلامِ والإيمانِ، ومَقَت آخرينَ، فختَمَ على قلوبِهم، وعلى سمعِهم وعلى أبصارِهم، فلن يهتدوا إذًا أبدًا، يُضِلُّ من يشاءُ، ويهدي من يشاءُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ الخَلقُ كُلُّهم له، يفعَلُ في خَلْقِه ما يريدُ غيرَ ظالمٍ لهم، جَلَّ ذِكْرُه عن أن يُنسَبَ رَبُّنا إلى الظُّلمِ، إنما يظلِمُ من يأخُذُ ما ليس له بمِلْكٍ، وأمَّا رَبُّنا تعالى فله ما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ وما بينهما، وما تحت الثَّرى، وله الدُّنيا والآخرةُ، جَلَّ ذِكْرُه، وتقدَّست أسماؤه، أحبَّ الطَّاعةَ من عبادِه، وأمر بها، فجَرَت ممن أطاعه بتوفيقِه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونَها من غير محبَّةٍ منه لها، ولا أمر بها، تعالى عزَّ وجَلَّ عن أن يأمُرَ بالفَحشاءِ أو يحِبَّها، وجلَّ اللهُ تعالى ربُّنا من أن يَجرِيَ في مُلكِه ما لم يُرِدْ أن يجرِيَ، أو شيءٌ لم يُحِطْ به عِلْمُه قبل كونِه، قد عَلِمَ ما الخَلقُ عاملون قبل أن يخلُقَهم، وبعد أن خلقهم قبل أن يعمَلوا، قضاءٌ وقَدَرٌ. قد جرى القَلَمُ بأمرِه تعالى في اللَّوحِ المحفوظِ بما يكونُ من بِرٍّ أو فجورٍ، يُثني على من عمل بطاعتِه من عبيدِه، ويضيفُ العَمَلَ إلى العبادِ، ويَعِدُهم عليه الجزاءَ العظيمَ، لولا توفيقُه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاءَ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: 21] ، وكذا ذَمَّ قومًا عَمِلوا بمعصيتِه، وتوعَّدهم على العَمَلِ بها النَّارَ، وأضاف العمَلَ إليهم بما عَمِلوا، وذلك بمقدورٍ جرى عليهم، يُضِلُّ من يشاءُ، ويهدي من يشاءُ)( .
12- قال ابنُ أبي زيدٍ القيروانيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه حُلْوِه ومُرِّه، وكُلُّ ذلك قد قدَّره اللهُ ربُّنا، ومقاديرُ الأُمورِ بيَدِه، ومَصدَرُها عن قضائِه، عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ قبل كونِه، فجرى على قَدَرِه، لا يكونُ من عبادِه قَولٌ ولا عَمَلٌ إلَّا وقد قضاه وسبق عِلْمُه به أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] ، يُضِلُّ من يشاءُ فيَخذُلُه بعَدْلِه، ويهدي من يشاءُ فيُوَفِّقُه بفَضلِه، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ بتيسيرِه إلى ما سبق من عِلمِه وقَدَرِه، من شَقِيٍّ أو سعيدٍ)( .
13- قال ابنُ بطة: (أمَّا القَدَرُ فعلى وجهينِ: أحدُهما: فَرضٌ علينا عِلْمُه ومعرفتُه، والإيمانُ به والتصديقُ بجميعِه. والآخَرُ: فحرامٌ علينا التفكُّرُ فيه والمسألةُ عنه، والمناظرةُ عليه، والكلامُ لأهلِه، والخصومةُ به.
فأما الواجِبُ علينا عِلمُه والتصديقُ به والإقرارُ بجميعِه: أن نعلَمَ أنَّ الخيرَ والشَّرَّ من اللهِ، وأنَّ الطاعةَ والمعصيةَ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وأنَّ ما أصابنا لم يكُنْ لِيُخطِئَنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبَنا، وأنَّ اللهَ خلق الجنَّةَ وخلق لها أهلًا، عَلِمَهم بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، ووفَّقهم لأعمالٍ صالحةٍ رضيَها أمَرَهُم بها، فوفَّقهم لها، وأعانهم عليها، وشكَرَهم بها، وأثابهم الجنَّةَ عليها تفضلًا منه ورحمةً، وخلق النَّارَ وخلق لها أهلًا، أحصاهم عددًا، وعلم ما يكونُ منهم، وقدَّر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذَّبهم لأجْلِها غيرَ ظالمٍ لهم، ولا هم معذورون فيما حكَمَ عليهم به، فكُلُّ هذا وأشباهُه من عِلمِ القَدَرِ الذي لزم الخَلْقَ عِلمُه والإيمانُ به والتسليمُ لأمرِ اللهِ وحُكمِه وقضائِه وقَدَرِه، فلا يُسأَلُ عمَّا يفعَلُ وهم يُسأَلون. وسيأتي من عِلمِ القَدَرِ وما يجِبُ على المسلمين عِلمُه والمعرفةُ به وما لا يسَعُهم جَهْلُه مشروحًا مفصَّلًا في أبوابِه على ما جاء به نصُّ التنزيلِ ومضت به سُنَّةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وباللهِ نستعينُ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيلُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ)( .
14- قال أبو عُثمانَ الصابونيُّ: (من قَولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في أكسابِ العِبادِ أنها مخلوقةٌ للهِ تعالى لا يمترون فيه، ولا يَعُدُّون مِن أهلِ الهدى ودينِ الحَقِّ من يُنكِرُ هذا القَولَ وينفيه، ويَشهَدون أنَّ اللهَ تعالى يهدي من يشاءُ لدينِه، ويُضِلُّ من يشاءُ عنه، لا حُجَّةَ لِمن أضلَّه اللهُ عليه، ولا عُذْرَ له لديه... ويشهَدُ أهلُ السُّنَّةِ ويعتقدون أنَّ الخيَر والشَّرَّ والنَّفعَ والضُّرَّ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه لا مَرَدَّ لها، ولا محيصَ ولا محيدَ عنها، ولا يصيبُ المرءَ إلَّا ما كتبه له ربُّه... ومن مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ وطريقتِهم -مع قَولهم بأنَّ الخيرَ والشَّرَّ من اللهِ وبقضائِه- أنَّه لا يضافُ إلى اللهِ ما يُتوهَّمُ منه نقصٌ على الانفرادِ، فيقال: يا خالِقَ القِرَدةِ والخنازيرِ والخنافِسِ والجُعْلانِ، وإن كان لا مخلوقَ إلَّا والرَّبُّ خالِقُه... ومن مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ مريدٌ لجميعِ أعمالِ العبادِ خَيرِها وشَرِّها... فكُفرُ الكافرين وإيمانُ المؤمنين بقضائِه سُبحانَه وتعالى وقَدَرِه، وإرادتِه ومشيئتِه، أراد كُلَّ ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمانَ والطاعةَ، ويَسخَطُ الكُفرَ والمعصيةَ)( .
15- قال النوويُّ في شَرحِه لأحاديثِ القَدَرِ مِن صحيحِ مُسلمٍ: (في هذه الأحاديثِ كُلِّها دلالاتٌ ظاهِرةٌ لمَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ في إثباتِ القَدَرِ، وأنَّ جميعَ الواقعاتِ بقضاءِ اللهِ تعالى وقَدَرِه خيرِها وشَرِّها نَفْعِها وضَرِّها)( .
وقال أيضًا: (تظاهرت الأدِلَّةُ القَطعيَّاتُ من الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإجماعِ الصَّحابةِ، وأهلِ الحَلِّ والعَقدِ من السَّلَفِ والخَلَفِ؛ على إثباتِ قَدَرِ اللهِ سُبحانَه وتعالى)( .
16- قال ابنُ تيميَّةَ: (مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في هذا البابِ وفي غيرِه ما دلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ، وكان عليه السَّابقون الأوَّلون من المهاجِرين والأنصارِ، والذين اتَّبَعوهم بإحسانٍ: وهو أنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ ورَبُّه ومليكُه، وقد دخل في ذلك جميعُ الأعيانِ القائمةِ بأنفُسِها وصفاتُها القائمةُ بها من أفعالِ العِبادِ وغيرِ أفعالِ العِبادِ. وأنَّه سُبحانَه ما شاء كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا يكونُ في الوُجودِ شَيءٌ إلَّا بمشيئتِه وقُدرتِه، لا يمتنِعُ عليه شيءٌ شاءَه، بل هو قادِرٌ على كُلِّ شيءٍ، ولا يشاءُ شيئًا إلَّا وهو قادرٌ عليه. وأنه سُبحانَه يعلمُ ما كان وما يكونُ، وما لم يكنْ لو كان كيف يكونُ، وقد دخل في ذلك أفعالُ العِبادِ وغَيرُها، وقد قدَّر اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يخلُقَهم: قدَّر آجالَهم وأرزاقَهم وأعمالَهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادةٍ وشقاوةٍ. فهم يؤمِنون بخَلْقِه لكُلِّ شَيءٍ، وقُدرتِه على كُلِّ شيءٍ، ومشيئتِه لكُلِّ ما كان، وعِلْمِه بالأشياءِ قبل أن تكونَ، وتقديرِه لها، وكتابتِه إيَّاها قبل أن تكونَ)( .
وقال أيضًا: (مَنْ لم يَقُلْ بقَولِ السَّلَفِ فإنَّه لا يُثبِتُ للهِ قدرةً، ولا يثبتُه قادرًا، فالجهميَّةُ ومن اتَّبَعهم، والمُعتَزِلةُ، والقَدَريةُ المُجْبِرةُ والنَّافية؛ حقيقةُ قَولِهم أنَّه ليس قادرًا، وليس له المُلْكُ، فإنَّ المُلكَ إمَّا أن يكونَ هو القُدْرةَ، أو المقدورَ، أو كليهما، وعلى كُلِّ تقديرٍ فلا بدَّ من القُدْرةِ، فمن لم يُثبِتْ له القُدْرةَ حقيقةً لم يُثبِتْ له مُلكًا)( .
وقال أيضًا: (اتَّفق المُسلِمون وسائِرُ أهلِ المِلَلِ على أنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ كما نطق بذلك القرآنُ في مواضِعَ كثيرةٍ جِدًّا)( .
17- قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ أهَمَّ ما يجِبُ معرفتُه على المكَلَّفِ النبيلِ فَضلًا عن الفاضلِ الجليلِ: ما ورد في القَضاءِ والقَدَرِ والحِكمةِ والتعليلِ؛ فهو من أسنى المقاصِدِ، والإيمانُ به قُطبُ رحى التوحيدِ ونظامُه، ومبدأُ الدِّينِ المُبِينِ وختامُه، فهو أحدُ أركانِ رالإيمان، وقاعدةُ أساسِ الإحسانِ، التي يرجِعُ إليها، ويدورُ في جميعِ تصاريفِه عليها)( .
وقال أيضًا: (قال الإمامُ أحمدُ: القَدَرُ قدرةُ اللهِ. واستحسن ابنُ عَقيلٍ هذا الكلامَ جِدًّا، وقال: هذا يدُلُّ على دِقَّةِ أحمدَ وتبحُّرِه في معرفةِ أُصولِ الدِّينِ، وهو كما قال أبو الوفاءِ، فإنَّ إنكارَه إنكارٌ لقُدرةِ الرَّبِّ على خَلقِ أفعالِ العِبادِ وكتابتِها وتقديرِها)( .
18- قال ابنُ حَجَرٍ: (مَذهَبُ السَّلَفِ قاطِبةً أنَّ الأمورَ كُلَّها بتقديرِ اللهِ تعالى، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: 21 ])( .
19- قال السعدي: (من أُصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: الإيمانُ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وهو داخِلٌ في الإيمانِ به وبكُتُبِه وبرُسُلِه، فيعلمون أنَّ اللهَ قد أحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، وأنَّه كتب في اللَّوحِ المحفوظِ جميعَ الحوادثِ صغيرَها وكبيرَها، سابِقَها ولاحِقَها، ثم قدَّرها وأجراها بمواقيتِها بحِكْمَتِه وقُدرَتِه وعنايتِه وتمامِ عِلْمِه، وأنَّه كما أنَّ جميعَ الحوادِثِ مُرتَبِطةٌ بحِكمتِه وعِلْمِه فإنَّها مرتَبِطةٌ بقدرتِه، وأنَّه ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّ أعمالَ العبادِ كُلَّها خَيْرَها وشَرَّها داخِلةٌ في قضائِه وقُدرتِه، مع وقوعِها طِبْقَ إرادتِهم وقدرتِهم، ولم يجبِرْهم عليها، فإنَّه خلق لهم جميعَ القوى الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، ومنها القُدْرةُ والإرادةُ التي بها يختارون وبها يفعلون)( .
20- قال ابنُ عثيمين: (الإيمانُ بالقَدَرِ واجِبٌ، ومرتبتُه في الدِّينِ أنَّه أحَدُ أركانِ الإيمانِ السِّتَّةِ)( .
وقال أيضًا: (الإيمانُ بالقَدَرِ هو من رُبوبيَّةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ ولهذا قال الإمامُ أحمدُ رحمه اللهُ تعالى: «القَدَرُ قُدرةُ الله». لأنَّه من قدرتِه ومن عمومِها بلا شَكٍّ، وهو أيضًا سِرُّ اللهِ تعالى المكتومُ الذي لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ سُبحانَه وتعالى، مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ، في الكِتابِ المكنونِ الذي لا يطَّلِعُ عليه أحدٌ، ونحن لا نعلَمُ بما قدَّره اللهُ لنا أو علينا، أو بما قدَّره اللهُ تعالى في مخلوقاته إلَّا بعد وقوعِه أو الخبرِ الصَّادِقِ عنه)( .
والإيمانُ بالقَدَرِ يتضمَّنُ الإيمانَ بعِلمِ اللهِ وقُدرتِه ومَشيئتِه وخَلْقِه.
فللهِ تعالى القُدْرةُ المُطلَقةُ، وقدرتُه لا يُعجِزُها شيءٌ، ومن أسمائِه تبارك وتعالى القادِرُ والقديرُ والمقتَدِرُ، والقُدْرةُ صِفةٌ من صفاتِه.
فالقادِرُ: اسمُ فاعلٍ مِن قَدَر يَقدِرُ. والقديرُ فعيلٌ منه، وهو للمبالغةِ، ومعنى (القدير) الفاعِلُ لِما يشاءُ، على قَدْرِ ما تقتضيه الحِكمةُ لا زائدًا عليه، ولا ناقِصًا عنه؛ ولذلك لا يصِحُّ أن يُوصَفَ به إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ.
قال اللهُ تعالى: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:33]. و(المقتَدِر) مفتَعِل مِن اقتَدَر، وهو أبلغُ من (قدير)، ومنه قَولُه تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: 55]( .