تدبر سور الزخرف

إنضم
03/01/2021
المشاركات
874
مستوى التفاعل
4
النقاط
18
العمر
59
الإقامة
مصر
images


سورة مكية تحكي الصراع العقدي المحتدم فتقيم الحجج وتنقض الشبه وتحكي ما في الماضي والحاضر للتدبر والثبات والصدع بالحق

سورة الزخرف سماها الصحابة ديباج القرآن

سورةالزخرف إحدى الحواميم التي تتحدث في غالبهاعن القرآن وأساس دعوته إلى التوحيدومجادلةا لمشركين

(وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) أي تعظيم لشأن القرآن فيا من تقرأه افرح به وتشوف إلى علوه وحكمته فإنه يعلو ولا يعلى عليه

(إلا كانوا به يستهزون) حين يواجه أهل الباطل “بتصوراتهم الجاهلية” حقائق الإيمان والدين يفرون من الحجة ويلجؤن إلى الاستهزاء

(والذي نزل من السماء ماء بقدر) في نظام واتزان وثبات يحتوى ظاهر الأرض وباطنها لا تحيط به العقول حساباً ودقةً وتوقعاً

(وهو في الخصام غير مبين) وصف رقيق للمرأة ففي لحظة الخصام فقط قد تختلط المشاعر بالقيم والتصورات بالأقوال والغضب بالحزن والماضي بالحاضر !

(نحن قسمنا بينهم معيشتهم) فالخلق خلق الله (في الحياة الدنيا) تهويناعلى النفوس ما فاتها… (ورحمة ربك خير مما يجمعون) توجيه وهدى وشفاء للنفوس

(ولولا أن يكون الناس) كفارً (لجلعنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة) لهوان الدنيا على الله . فلا تكن أكبر هم المؤمن.

﴿وَالكِتابِ المُبينِ﴾ العظيم لا يُقسِم إلا بعظيمٍ سبحانه، فما مقدار تعظيمنا لكتابه المُبين؟

هذا حال الطغاة مع الدعاة (وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون)

﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك..قال إنكم ماكثون ﴾ قال المفسرون: ما بين ندائهم والرد عليهم ألف سنة !! يارب رحمتك..

كلما فاتك شيء من حظوظ الدنيا فتذكر أن ما عند الله خير وأبقى قال ﷻ : ﴿ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾

(فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) هكذا تكون أخلاق النبيين والداعين إلي الله الصفح والسلام حتي مع الجاهلين

﴿وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون﴾ لاتحزنوا يامصلحون من إعراض العصاة وسخريتهم ،فليس العيب فيكم ،فهؤلاء أكمل البشر سخر منهم


images


لتهدأ روحك ولتقر عينك ..ماقسمه الله لك سيأتيك. ولن يستطيع أحد أن يحول بينك وبينه!”أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم”

تقديم نفسه على قومه في قوله : (ربي وربكم) لقصد سدّ ذرائع الغلوّ في تقديس عيسى ابن عاشور

﴿…قال يا لَيت بَيني وَبَينَك بُعد المشرِقين…﴾. ابتعد عن كل ما يبعدك عن ربك، حتى لاتندم هناك، يوم لاينفع الندم.

كل البلاء إذا عمَّ هان إلا بلاء عذاب النار. نعوذ بالله من النار. ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾

المجتمع الذي يغلب عليه الفسق؛يسهل على كل مبطل أن يستخفّه ويقوده إلى هلاكه وخسرانه وزواله.. “فاستخف قومه فأطاعوه…”

﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ مايزال الكثيرون يضلون عن الهدى باتباع التقاليد والعادات المخالفة لديننا

(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ) التمسك بالقرآن وتدبره والعمل به من أعظم أسباب الثبات على الحق

عند هذه الآيات تُسكب العبرات شوقا الى الجنات ورحمة رب البريات ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذالأعين وأنتم فيها خالدون﴾

(يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون )حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع فكن ممن يناديهم ربهم ويبشرهم بالأمن

قال حاتم الأصم تأملت قول الله : ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم﴾ فعلمت أنّ القسمةَ من الله فما حسدت أحداً أبداً على خير ٍ أعطاه الله.

عقوبة مؤلمة عاجلة للأهل الغفلة والعيش بعيداً عن واحة القرآن وذكر الرحمن (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)

(اناجعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) ان لغة كانت وعاءللقران لن تعجز ان تكون وعاء لكل فروع المعرفة
فاستخف قومه فاطاعوه…. كل إنسان له بطانة إما صالحه أو فاسده فمن كانت بطانته فاسدة فإنهم يزينون له الباطل

هدف هذه السورة: “التحذير من الانخداع بالمظاهر المادية”.. لأن الانخداع بهاضياع للأمة

(لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمةربكم) عندكل نعمةتذكر المنعم واشكره عليهاليبقى قلبك موصولا به عندكل حركةفي الحياة

فَاصْفَحْ عَنهُمْ وقُلْ سلامٌ فَسوْفَ يَعلَمُونَ هكذا تكون أخلاق النبيين والداعيين الصفح والسلام حتي مع الجاهلين

“أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ” مؤلم جدا أن تفضح أمام اكثر شخص تحبه فكيف بمن خلق من تحبه !!

“الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين” أصدقاء أعداء بذنب اجتمعوا عليه .. وأصدقاء أحباء بعمل صالح اجتمعوا له ..

(إنا أنزلناه قرءانا عربيا).نزل بلسان العرب ولكنه عظيم فهو ميسر للعرب والعجم فكلهم يقرؤونه ..

الله يقسم بمايشاء فاقسم بالقرآن الواضح لفظاومعنى . (والكتاب المبين).ما أعظمه من قسم وماأعظم المقسم سبحانه.

العيب الخَلقي لا يؤثر في مقامك عند الله فالذي عابه فرعون بقوله :﴿ ولا يكاد يبين﴾ كان كليم الله.

(فاستمسك بالذي أوحي إليك ) هل يظن عاقل بعدهذه الآيةأنه ينجوأويهتدي للحق أويثبت على الصراط المستقيم بغيرالقرآن والسنة

قال الله تعالى عن القرآن (وإنه لذكر لك ولقومك) فمن رام العز والشرف في الدارين فعليه بالقرآن.

( إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون) من أجمل ما شرف اللغة العربية نزول كلام رب العالمين بلغتها


images


قد يتساوى المسلم والكافر، والبرُّ والفاجر في مُتع الدنيا، ولكن (الآخرة عند ربك للمتقين) فتأمل.

الفسق سبب للاغترار بأهل الفساد واتِباعهم ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾

( لتسووا على ظهوره ). تدل على الاستقرار وعدم الاستواء في البر والبحر والجو يؤدي إلى السقوط والهلاك

“ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فهو لَهُ قَرِين” كلما ابتعدت عن ذكر ربك كلما اقتربت منك الشياطين …

“إلا الذي فطرني فإنه سيهدين” فإنه سيهدين ثقة أن الله لن يضيعك أبدا ما دمت لا تشرك به شيئا ..


“ليتهم نظروا فاعتبروا ثم أطاعوا فنجوا “فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين”

من رام العز والشرف في الدارين فعليه بالقرآن (وإنه لذكر لك ولقومك)

قال الله تعالى عن القرآن (وإنه لذكر لك ولقومك) فمن رام العز والشرف في الدارين فعليه بالقرآن.

﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين) الفسق سبب للاغترار بالفاسقين واتباعهم.

“الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين” أصدقاء أعداء بذنب اجتمعوا عليه .. وأصدقاء أحباء بعمل صالح اجتمعوا له ..

“أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ” مؤلم جدا أن تفضح أمام اكثر شخص تحبه فكيف بمن خلق من تحبه !!

قال الحسن البصري استكثروامن الأصدقاءالمؤمني ن فإن الرجل منهم يشفع في قريبه وصديقه (الأخلاءيومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)

أمر الله رسوله بالاستمساك بالحق وهو المؤيدبالوحي والآيات والمعصوم من الزلل،فكيف بمن هو بين شهوات وشبهات (فاستمسك بالذي أوحي إليك)

﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ إلا الذي خلقني, فإنه سيوفقني لاتباع سبيل الرشاد. ابن سعدي رحمه الله

القرآن أعظم رحمةرحم الله بهاعباده،فمن قبلهاوأقبل عليهافاز بأعظم المطالب،ومن أعرض عنهاخاب وخسروقيض له شيطانايأزه إلى المعاصي أزا

( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) بين شرفه في الملأ الأعلى ، ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض

( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) يعني القرآن في أمّ الكتاب الذي عند الله منه نسخ.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) يخبر عن منـزلته وفضله وشرفه

لن يهتدي أحد كائنا من كان ولن ينجو بغير وحي الله تعالى: (فاستمسك بالذي أوحي إليك) فيا خسارة المعرضين المبتدعين ..

فأهلكنا مَن كذَّبوا رسلنا، وكانوا أشد قوة وبأسًا من قومك يا محمد، ومضت عقوبة الأولين بأن أهلِكوا؛ بسبب كفرهم وطغيانهم

﴿ وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴾بَيَّن شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض.ابن كثير


images


(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)مما يوجب الفرح أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة الرازي

(أهم يقسمون رحمت ربك)من أنت حتى تعترض على قسمة ربك احمدالله وأرضى بما قسم لك

( وسوف تسألون ) أي : عن هذا القرآن وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له .ابن كثير

(إلا قال مترفوها) الترف والمبالغة في التنعم يقود إلى ترك التفكر والتأمل في المصالح والمفاسد

(وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) يقول ابن الجوزي: “عجباً لفرعون افتخر بنهر ما أجراه، ما أجرأه!”

(إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ) ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى في الدنيا وفي الدين، الرازي

(إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون )تمسك الجهال بطريقة التقليد أمر كان حاصلا من قديم الدهر .الرازي

نبه بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها ، فقال : ( كذلك تخرجون ) ابن كثير

﴿ فَجَعَلْنَٰهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْءَاخِرِينَ ﴾ومن أراد النجاة مما نالهم تجنب أفعالهم . البقاعي

خطورة الاغترار والتمادي بالمعاصي (فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ)

“ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فهو لَهُ قَرِين” كلما ابتعدت عن ذكر ربك كلما اقتربت منك الشياطين ..

الإسلام لم يهذب الحب فحسب بل جعله عبادةيتعبدبهاال مؤمن ويرجورضوان ربه، تأمل الحب الخالد (الأخلاءيومئذ بعضهم لبعض عدوإلاالمتقين)

بمقدار حاجتكم إليه, فلم يجعله كالطوفان, فيكون عذابا كالذي أنـزل على قوم نوح, ولا جعله قليلا لا ينبت به النبات والزرع

“وأخذْناه بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” سبحانك ما ارحمك !! عذابه رحمة بهم من الجحيم …

لما ذكر ﷲ سؤال الكفار قال: (ما ضربوه لك إلا جدلا) ومع ذلك رد عليه. ربما تعرف أن خصمك يريد الجدال فقط، لكن لا تترك شبهته بلا رد.!

“إلا الذي فطرني فإنه سيهدين” فإنه سيهدين ثقة أن الله لن يضيعك أبدا ما دمت لا تشرك به شيئا ..

“ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فهو لَهُ قَرِين” كلما ابتعدت عن ذكر ربك كلما اقتربت منك الشياطين ..

(ورحمة ربك خير مما يجمعون )تذييل للرد عليهم ، و رد ثان عليهم بأن المال الذي جعلوه عماد الاصطفاء للرسالة هو أقل من رحمة الله


وردت مورد الذم للحياة الدنيا ، فهي لا تزن عند الله جناح بعوضة ، ولو شاء لأعطى الكافر منها كل ما يشتهي

﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾ هذا شأنه في السماء ؛ فماهو شأنه في قلبك !!

﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ القرآن فخر ومنقبة ونعمة وشرف، لكن هل قمنا بحقه! ﴿وسوف تسألون﴾سنسأل عنه اللهم الطف بنا وأعنا على القيام به

﴿حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين﴾ لم يقل:( بيننا) لأنه أراد قمة البراءة والتخلص منه حتى في اللفظ ﴿بيني وبينك﴾

(إناجعلناه قرآنا عربيا)كم نفتقر في عصرنا إلى توكيد عروبة القرآن فهي ممااختص الله عزوجلّ به الأمة فلنعزّها ونعتزّ بها

تكرر في سورة الزخرف لفظ مبين الكتاب المبين لكفور مبين غير مبين رسول مبين ضلال مبين عدو مبين (ولا يكاد يبين)

ما أكفر الإنسان! إله خلق وجعل ونزّل وأنشر وسخّر فيقابّل بـ(وجعلوا له من عباده جزءا)؟!! حقا إن الإنسان لكفور مبين!


images


إن أعمت زينة الدنيا وزخارفها كثيرامن الناس عن الحق فاحرص على توجيه ربك (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم)

ما نفع فرعون ملك مصر ولا الأنهار التي تجري من تحته! أغرقه الله في لجج ألوهيته المزورة الباطلة وغروره المقيت!!

(لولا ألقي عليه أسورة من ذهب) الرجولة عقيدة وثبات على الحق وجرأة في الدعوة إلى الله لا بأساور من ذهب!!

رب اجعلنا ووالدينا وأزواجنا ومن نحب ممن يقال لهم يوم القيامة (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون)

الاصطفاء والرفعة وتقسيم الأرزاق بين البشر كلها من رحمت ربك فمن شكك فيها فقد جحد نعمة الرحمن (أهم يقسمون رحمت ربك)

لولا أن يخدع الناس جميعًا بتنعيم الكفار لجعل الله الحظوظ تنهمر على أعداء الله (لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج) الغزالي



اسلاميات


image.jpeg.d2c920c80132fa615de987badf6cbddd.jpeg
 

  • التوحيد في سورة الزخرف


    السورة الكريمة وثيقة الصلة بما قبلها وهي سورة الشورى من ناحية المناسبة والموضوع لمن تأمل، ففي خاتمة ما قبلها كان الحديث عن الوحي والكتاب وصراط الله المستقيم، واستهلَّت بذكر بوصف الكتاب، وأنه مبين وعربي، وأنه (في أم الكتاب)، والثناء عليه، فهو بعلو قدره وبالغ حكمته، وأنه يخاطب العقلاء، ولا يخفى عليهم بلاغته وفصاحته، وترتيبه وتركيبه، وتنسيقه ونظمه، وتأثيره على القلوب والعقول لا يستطيعون إنكاره، فمنهم من يخشع لسماعه ويلين لجرسه، ومنهم من يشمئز ولا يطيق كلماته وآياته؛ لأنها تصطدم بكيانه المريض وعقله المغلق، وقلبه المغلف بالران السميك، ومع اعترافهم بفضله وعلوه، فقد أسرفوا في معاداته، فكان هذا التهديد في قوله: ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ [الزخرف: 5]؛ أي في الإمكان أن نطوي صفحتكم حتى تكونوا مع من كانوا من المسرفين، ذلك لو عجلنا لكم العقوبة ولم نمهلكم! فكم من الأمم الأولين أهلكت، وكم من الحضارات سقطت، كم من القرى دمِّرت، وكم من الجبابرة صاروا عبرة وأحاديثَ!

    وتبيِّن السورة دلائل التوحيد، وتبدأ بدلائل الربوبية، فالله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض، وهم - أي المشركون - مقرون بذلك: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ [الزخرف: 9]، وهو الذي هيَّأ الحياة وسهَّلها للناس: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 10]، وأمدَّهم بما يقيم أودهم من أقوات وزروع بالماء النازل من السماء: ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ﴾ [الزخرف: 11]، ماذا لو لم يكن الماء بقدر؟! لم يكن نافعًا ولا منبتًا للزرع، بل مهلكًا للحرث والنسل، وسبحانه خلق الأزواج كلها، ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ [الزخرف: 12].

    أليس الذي خلق وجعل ومهد ونزَّل أحقَّ أن يعبد ويطاع؟ تلك هي القضية! لكن هناك من يعبد وهناك من يشرك: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ [الزخرف: 15]، وهذه هي مشكلة الإنسان - أي الكافر - يرى النعم ويغرق فيها ويكفر بالمنعم الذي أنعم عليه! وحينما كفر فقد فقَد عقله واختلَّ ميزان العدل والحق عنده، يعلم أن الإناث مخلوقات ضعيفة لا يستبشرون بولادتها، ثم ينسبونها إلى الله! ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18]، ومن طبيعة الأنثى أنها تشعر دائمًا بالنقص، فتنشغل بتزيين نفسها بالحلى وغيره، كما أنها متقلبة المزاج، فتارة تحب وتارة تكره، وقد تحب وتنتقم ممن أحبَّت! وهم يعرفون ذلك بدليل أنه إذا رزق أحدهم أنثى اسوَدَّ وجهه وغضِب! ومع هذا ينسبون البنات إلى الله الذي أقروا بربوبيته، ثم تجدهم تارة أخرى يقولون: الملائكة بنات الله؟ كيف وأنتم تكرهون البنات ثم تلصقون الأنوثة بالملائكة ثم تنسبونها إلى الله! وفي الحقيقة هم ينكرون عقولهم ويوقفون تفكيرهم ليقولوا: ﴿ لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ [الزخرف: 20]، حجة البليد يهرب إلى التقليد، ويبرهن على غبائه ويحتج بالمشيئة، ويحيل إليها عجزًا منه وفشلًا!

    • الحقيقة الكبرى في هذه الحياة هي التوحيد، يعلنها ابراهيم عليه السلام مدوية في عمق الزمان والمكان: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ [الزخرف: 26، 27]، هي الكلمة الباقية، والعروة الوثقى، والعهد الوحيد بين الله وعباده، لا إله إلا الله البراء من المعبودات المصنوعة، العاجزة القاصرة الزائلة، والولاء والإيمان والتسليم، والانقياد والطاعة والإنابة والخوف والرجاء، والنسك، والتحاكم، والدعاء والتوكل والسعي والجهاد، وأعمال القلب والجوارح، وأقوال اللسان والحال، كل ذلك لا يصرف إلا لله الواحد وحده لا شريك له.

    • والعجيب أن كثيرًا من البشر إذا جاءهم الحق كفروا به، وأعرضوا عنه وسعوا إلى الضلالات والاقتراحات، مع أن الحق واضح أمام أعينهم، لكنه الكبر، والفطرة الفاسدة، كيف يقترح العبد على الله أن يختار رسولًا يحددون هم صفاته أو مواصفاته؟ ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 31، 32].

    • معايير مختلة، وقيم ساقطة تلك التي يفكر بها بعض الأغنياء الأغبياء، يقيسون الأمور بالظواهر الكاذبة البراقة؟ وقد أعجبني ما قاله الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في حديثه عن هذه الآية، فانقله: (دلت الآيات الكريمة المذكورة على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله الكونية القدرية، لا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها، ولا تحويلها بوجه من الوجوه)، وبذلك تحقق ما تذرَّع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله، ولجميع النبوات، إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص من أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم أمر باطل، ولا يمكن بحال من الأحوال، مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس؛ ليتمتعوا بها هم ويتصرفوا فيها كيف شاؤوا، تحت ستار كثير من أنواع الكذب والغرور والخداع، كما يتحقَّقه كل عاقل مطلع على سيرتهم، وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم، فالطغمة القليلة الحاكمة، ومن ينضم إليها، هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد، وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير، مظلومون في كل شيء حتى ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير، وقد علم الله جل وعلا في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير وهذا غني، وقد نهى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135]؛ أضواء البيان، جزء 7 - دار الفكر ص 114، 115.

    وإذا كان مشركو مكة نسبوا البنات والملائكة إلى الله تعالى سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا، فإن مشركي أهل الكتاب نسبوا إلى الله تعالى الولد والزوجة، ونقضوا التوحيد حتى جعلوه تثليثًا، وسوف يأتي اليوم الذي يشهدون فيه على كذبهم وافترائهم، وسيكذبهم عيسى عليه السلام، ويتبرأ من أفعالهم وأقوالهم، ويكسر صليبهم؛ لأنه - أي عيسى عليه السلام - ﴿ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ [الزخرف: 61]، وهو آتٍ قريب!


    د. أمين الدميري
    شبكة الالوكة
    0t5catsmeu8.gif


 
عودة
أعلى