د. محمد بن جميل المطري
Member
سيرة الإمام أحمد بن حنبل
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذُّهْلي الشَّيباني، يرجع نسبُه إلى ربيعة بن نِزار بن معَدِّ بن عدنان، كان جده حنبلٌ والي سَرْخَس لسنوات، وكان أبوه بصريَّ الأصل أقام في خراسان في مدينة مرو، وكان له في بغداد داران، سكن إحداهما وأكرى الأخرى، وتوفي شابًا. وُلِد أحمد في بغداد سنة 164 هـ، ونشأ يتيمًا، وحفظ القرآن صغيرًا، وفي سن الخامسة عشرة بدأ بكتابة الحديث عن مُحدِّثي بغداد، ومن أقدمِ مشايخه الذين كتب عنهم الحديث والآثار: هُشَيم بن بَشير الواسطي ثم البغدادي، لزمه أحمد أربع سنوات، وكتب عنه أكثر من ثلاثة آلاف حديث وأثر وحفظها غيبًا، وبعد موته لزم إسماعيل بن عُليَّة وعفَّان بن مسلم الصَّفَّار عدة سنين ببغداد، ورحل أحمد في طلب العلم إلى الكوفة ماشيًا وعمره تسعة عشر عامًا، فأكثر من كتابة الحديث عن وكيع بن الجراح وغيره من مُحدِّثي الكوفة، ورحل إلى البصرة أربع مرات لسماع الحديث وكتابته من مُحدِّثي البصرة، وأقام عند يحيى بن سعيد القطان ستة أشهر يكتب حديثه، ورحل إلى واسط وأقام عند يزيد بن هارون لكتابة حديثه، وحج خمس مرات، منها ثلاث حجات مشيًا على قدميه، وأدرك في مكة سفيان بن عُيينة وكتب عنه، ورحل سنة 198 إلى صنعاء ماشيًا فأقام عند محدِّث اليمن عبد الرزاق الصنعاني عدة أشهر حتى كتب عنه آلاف الأحاديث والآثار، ورجع من اليمن إلى مكة وقد تشققت رجلاه، وقال: ما أهون المشقة فيما استفدنا من عبد الرزاق!
ورحل أحمد إلى الشام لطلب العلم والجهاد، ورابط في ثغر طَرَسُوْسَ، وهي مدينة تقع جنوب تركيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، خرج إليها أحمد مشيًا على قدميه.
واجتهد أحمد في طلب العلوم الشرعية حتى صار أحد أئمة الإسلام، فكان عالمًا بتفسير القرآن الكريم، إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه، فقد تتلمذ في الفقه على الإمام الشافعي حين قدم بغداد، وقرأ كتبه، وكَتَب كُتُب أصحاب الإمام أبي حنيفة، وفيها آلاف المسائل الفقهية، وكان يُفتي في حياة مشايخه، وجمع عنه طلابه آلاف المسائل والفتاوى.
واشتهرَ علمُ أحمد وسعة حفظه وفقهه وفضله في حياة كثير من مشايخه، وأثنى عليه شيخه الإمام الشافعي، ووصفه بأنه أعقل الناس، وقال: خرجت من بغداد فما خلَّفتُ بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وقال الربيع بن سليمان: قال لنا الشافعي: أحمد إمامٌ في الحديث، إمامٌ في الفقه، إمامٌ في اللغة، إمامٌ في القرآن، إمامٌ في الزهد، إمامٌ في الورَع، إمامٌ في السُّنَّة.
وقال شيخه وكيع بن الجراح الكوفي: ما قدِم الكوفة مثل أحمد بن حنبل.
وقال شيخه يحيى القطَّان البصري: ما قدِم عليَّ من بغداد أحب إليَّ من أحمد بن حنبل.
وقال شيخه أبو عاصم النَّبيل: لم أر مثل أحمد بن حنبل.
وقال شيخه سليمان بن حرب قاضي مكة: أحمد بن حنبل عندنا إمام.
وقال شيخه عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل، إن يعِشْ يكون خَلَفًا من العلماء.
وقال شيخه قُتيبة بن سعيد: أحمد إمامُ الدنيا.
وقال صاحبه يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد، صحبناه خمسين سنة، ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير.
وقال الحافظ أحمد بن صالح العِجلي: أحمد بن حنبل ثقةٌ ثَبْتٌ في الحديث، فقيهٌ في الحديث، مُتبِّعٌ للآثار، صاحبُ سنة وخير، نَزِهُ النفس.
وقال تلميذه أبو حاتم الرازي: كان أحمد بن حنبل بارع الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه، وإذا رأيتَ الرجل يحبه فاعلم أنه صاحب سُنَّة.
وقال تلميذه أبو زُرعة الرازي: ما رأَيتُ مثل أحمد بن حنبل في فنون العلم، وما رأيت أحفظ منه، وما رأيتُ أحدًا أكمل منه، اجتمع فيه زهدٌ وفقهٌ وفضلٌ وأشياء كثيرة، ولا أعرف في أصحابنا أفقه منه.
وقال تلميذه إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل كأنَّ الله جمع له علم الأولين والآخرين، أحمد فاق أهلَ زمانه.
وقال النَّسائي: جمع أحمد المعرفة بالحديث والفقه والوَرع والزهد والصبر.
وقال ابن ماكولا: كان أحمد أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين.
ومن أخبار أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن أنه تحمَّل الضرب بالسياط حتى سالت الدماء من ظهره، وصبر على طول السجن وثقل القيود والتعليق والتهديد بالقتل، ولم يرضخ للخلفاء العباسيين الثلاثة الذين أرادوه أن يقول بِبدْعةِ خلق القرآن، وهم الخليفة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، ولم يلتفت إلى ترهيبهم ولا ترغيبهم، وثبت على القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكان يناظر المبتدعة ويُفحِمهم بالحُجَّة، ويقول: اعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله، وانشغل في سجنه بالعبادة وحفظ الحديث، ولما انتهت المحنة سنة 234 للهجرة في عهد الخليفة المتوكل العباسي لم يقبل أحمد بن حنبل عطايا الخليفة، وزهد فيها، وكان يغمه شهرتُه بين الناس، ويكره مدحَ الناس له، ويعُدُّه من البلاء، ولما قيل له: ما أكثرَ مَنْ يدعو لك من الناس! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا! ويقول: مَنْ أنا؟ وما أنا؟!
وكان أحمد بن حنبل ممن جمع بين العلم والعبادة، فكان كثير العبادة والخوف من الله، كثير التلاوة للقرآن الكريم، ولم يتزوج إلا وهو ابن أربعين سنة لانشغاله بالرحلة في طلب الحديث وجمع طرقه وحفظه، وكان يُحيِى الليل بالصلاة منذ كان غلامًا، واستمر على قيام الليل إلى أن مات.
قال المَرُّوْذِيُّ: قال لي أحمد بن حنبل: ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به، وكان يركع فيما بين المغرب والعشاء، وكان إذا ذكر الموت خنقته العَبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرتُ الموت هان عليَّ كلُّ أمر الدنيا، إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباسٌ دون لباس، وإنها أيامٌ قلائل، ما أعدلِ بالفقر شيئًا، ولو وجدت السبيل لخرجتُ حتى لا يكون لي ذِكْر.
وكان أحمد بن حنبل يقتات من إيجار بيتٍ له ورِثه من أبيه، وكانت زوجته تغزل فتبيع الأستار فيتقوتون بذلك، وربما نسخ الكتب بأُجْرة، وكان أحيانًا يأخذ الفأس ويخرج يعمل بيده، وكان كثير التواضع، يشتري الحطب فيحمله من السوق إلى البيت، وربما اقترض من بعض أصحابه شيئًا من المال أو الدقيق ثم يقضيه، وكان قانعًا برزقه، وكان يقول: قليل الدنيا يجزئ، وكثيرها لا يجزئ.
وكان أحمد مع فقره كريمًا بما يجد، وربما أعطى السائل شيئًا قليلًا ويقول له: أعطيتك نصف ما عندنا، وعفا عن مستأجر دارِه كراء ثلاثة أشهر.
قال ابنه صالح: ربما رأيت أبي يأخذ كسرة الخبز فينفض الغبار عنها، ويُصيِّرها في قَصعة، ويصب عليها ماء، ثم يأكلها بالملح، وكان يتلو سورة الكهف كثيرًا، وكنت أسمعه كثيرًا يقول: اللهم سلِّم سلِّم.
وقال ابنه عبد الله: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاث مائة ركعة، فلما مرِض من تلك الأسواط أضعفَتْهُ، فكان يصلي كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وكان يقرأ كل يوم سُبُعًا من القرآن، فيختم المصحف في كل أسبوع، وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو، وكان يُدمِن الصوم، ثم يُفطِر ما شاء الله، ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض.
وكان أحمد ذا سكينة ووقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل، وإذا سُئل عما لا يعلم قال: لا أدري، وكان يُطيل السكوت فإذا تكلم قال: اللهمَّ أمِتنا على الإسلام والسُّنة.
ولم يترك أحمد طلب العلم وكتابة الحديث في حال كِبَر سِنِّه، وقال: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر، وقال: مع المحبرة إلى المقبرة.
وكانت دفاتر أحمد التي كتب فيها الحديث والآثار عن مشايخه نحو اثني عشر حِمْل بعير، فيها مئات الآلاف من الأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة والتابعين وأتباعهم بأسانيدها الصحيحة والضعيفة والمكرَّرة، قال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كتبت بخطي ألف ألف حديث! يعني مليون حديث. قال الذهبي: كانوا يعدون في ذلك المُكرَّر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّر، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشْر مِعْشار ذلك.
وكان أحمد شديد التحري في رواية الحديث، لا يروي الحديث لطلابه إلا نظرًا من كتابه خشية الخطأ والنسيان، ومن أشهر تلاميذه: البخاري ومسلم وأبو داود وأبو حاتم الرَّازي وأبو زُرْعة الرَّازي وبَقيُّ بن مَخلد الأندلسي ويعقوب بن شيبة وابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي وابناه صالح وعبد الله وابن عمه حنبل بن إسحاق والميموني وابن هانئ الأثرم، وبلغ عدد الذين رووا عنه الحديث وكتبوا عنه أقواله وفتاواه أكثر من (400) راوٍ، وقد جمع عنه طلابُه آلاف المسائل والفتاوى، ودوِّن غالبها في كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد بن حنبل المطبوع في (22) مجلدًا.
وألَّف الإمام أحمد بن حنبل كتبًا مشهورة، جمع فيها آلاف الأحاديث والآثار بأسانيده العراقية والمكية والمدنية واليمانية والشامية، فمن كتبه: كتاب الزهد، عدد أحاديث المطبوع منه ( 2368) رواية، وكتاب فضائل الصحابة، فيه (1962) رواية، وكتاب العِلَل ومعرفة الرجال، مطبوع في (3) مجلدات، وكتاب الرد على الجهمية والزنادقة، وأشهر كتبه المسنَد، فصلت الكلام عنه باختصار في رسالة: ساعة مع مسند الإمام أحمد بن حنبل.
توفي أحمد بن حنبل رحمه الله في بغداد يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول سنة 241 هجرية وعمره 77 عامًا، وحضر جنازته مئات الآلاف.