شُبهة التمر كوقاية من السُم والسحر تتحول لإعجاز

إنضم
08/02/2024
المشاركات
220
مستوى التفاعل
15
النقاط
18
العمر
53
الإقامة
مصر، المنصورة
شُبهة التمر كوقاية من السُم والسحر تتحول لإعجاز

قال صلى الله عليه وسلم
(من تصبح بسبع تمراتٍ عجوة لم يضُره ذالك اليوم سُمٌ ولا سحر)، متفق عليه.

أثار الملحدون شُبهةً حول الحديث فقالوا:
أسهل طريقة للتأكد من صحة الإسلام، أن تفطر على سبع تمرات ثم تأخذ جرام واحد من البوتوكس أو تستنشق غاز السارين، فإن بقيت على قيد الحياة فالإسلام حق و إن مت فسيعلم الناس أن البدو ضحكوا عليهم بالإسلام؟

الرد على الشُبهة

1. من يقبل بهذا التحدي فقد خالف نصوص القرآن والسنة التي نهت عن قتل النفس، قال تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم)، وفي الحديث (مَن تحسَّى سُماً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً).
ولا يُعقل أن ينهانا شرع الله عن شيء في نص ثم يأمر به في نص آخر، والحمد لله لا يوجد في نص الحديث أمر بتناول السُم أو التعرض للسحر ثم علاجه بالتمر على سبيل التحدي والمُعجزة، وكل ما حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم نصح أمته بالوقاية اليومية من سُمٍ ما وسحرٍ ما، بالتّصبُح يومياً بسبع تمرات.

2. من يتناول السُموم القاتلة أو يُعرّض نفسه لسحر السحرة فسيُصاب بالأذى إلا إذا حفظه الله بشيء خارج عن قوانين البشر المعلومة، فالإنسان مخلوق ضعيف قابل للموت والإصابة بالأمراض والعاهات بسبب التعرض للمُهلكات، وكلنا يعلم حادثة تناول النبي للشاةِ المسمومة وما وجده من أثر السُم حتى وفاته، وأيضاً تعرُضه لسحر التخييل الذي صنعه له لبيد بن الأعصم.

3. لا يُفضل الرد على هذه الشُبهة بأبحاث علمية تُثبت أن تناول التمر قد يحمي من السُم لأنها أبحاث لم يتم إجراءها على الإنسان بل على حيوانات التجارب، وبجرعات مؤكد ليست بالقاتلة. مع مُراعاة أن تأثُر الحيوانات بهذه السموم يختلف عن تأثُر الإنسان، فليس بالضرورة أن ما وجدناه في التجارب التي أُجريت على الحيون ان يحدث مثلها في الإنسان.

4. من الوارد أن فهمنا للسُم والسحر في الحديث وقع على غير الوجه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم حين نصح بتناول التمر للوقاية من بعض ما يُقال له سُم أو سحر، وهذا ما سأحاول توضيحه في النقاط التالية.

5. مُراد النبي صلى الله عليه وسلم من الُسُم والسحر

من المعروف في لغة العرب أنه يجوز إطلاق العام ويُراد أمر مخصوص (العام المخصوص)، فيُشيرُ اللفظ في ظاهره لصيغة العموم، ويكون المُراد منه البعض وليس الكُل، كما فى قول الله (وسئل القرية التى كُنا فيها)، ومعلوم أننا سنسأل بعض البشر في القرية، وقول الله (تُدمرُ كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهُم)، ومعلوم أن بقاء المساكن فيه دلالة على أن الريح لم تُدمر كُل شىء، ولكنها دمرت كل ما هو قابل للتدمير.

وبإسقاط هذه القاعدة على كلمتيّ سُم وسحر يتبين لنا أن الحديث لا يقصد كُل السموم ولا كل ما يُقال له سحر، وإنما أراد بعضها مما له صفة مُحددة وهي تكرار التعرُض اليومي بدلالة ألفاظ الحديث، (تصبح) أي تناول كل صباح، و(لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر)، وهذا يدل على التعرض اليومي الذي يستدعي وقاية يومية، فالحديث لم يقل عالجوا المسموم أو المسحور و لكن قال بالوقاية مما يتعرض له الناس كل يوم.

ولله الحمد سبقني ابن القيم بهذا الرأي فقال رحمه الله في زاد المعاد (يجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم ، فيكون الحديث من العام المخصوص).

وحقيقةً لا يُعقل أن كل الناس كانوا مُعرضين يومياً لسُمٍ قاتل أو لسحر ساحر فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتناول التمر يومياً دون البحث عن المصدر والسبب والتخلص منه، أو أن يرقيهم من السحر.

وطالما أنه أمر لا يُعقل فلابد أن نفهم أن النبى صلى الله عليه وسلم يتكلم عن الأعراض الناتجة عن التعرُض اليومى لسموم البيئة وليس لسُم يقتل في لحظة. ولو كان المقصود السُم الذى يقتل وسحر السحرة لكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من طبق الحديث على نفسه، فلم نسمع أنه تناول التمر فى حادثة الشاة المسمومة أو أمر به الصحابة في حديث من لدغه الثعبان فرقاه الصحابة بفاتحة القرآن، وكذا الحال لم نسمع أنه تناول التمر فى سحر التخييل الذي أصابه بل نزل جبريل ليرقيه ويُبطل السحر، وكان النبيُ يستعمل الرُقى لعلاج من يشتكي المس والسحر، ولم ينصحه بتناول التمر.

وهذا كله مما يُبين أن الحديث فيه إشارة خفية إلى مواد سامة وأعراض يومية تُشبه السحر مما يتعرض لها البدن بصفة يومية.

6. من المعروف طبياً أن أكثر المواد السامة التي تتراكم في الجسم بصورة يومية تأتي مع الأطعمة والأشربة والهواء وكثير من مواد البيئة المُحيطة، وأيضاً من نقص بعض المُغذيات كالأملاح والفيتامينات وما أكثر ذلك في البيئة العربية الصحراوية الفقيرة في الغذاء. كما أن هناك سموم تتكون داخل الجسم فى أثناء عمليات الأيض في تفاعلات الأكسدة، كما أن بعض الكائنات الدقيقة التي تصيب جسم الانسان قد تفرز بعض السموم او تستهلك مُغذيات الجسم.

لنقرأ هذه العبارة العلمية التي تصف كل ما سبق وتجعله النسبة الأكبر من أسباب التسمم اليومية (90%)؛
About 90% of our daily toxic intake comes from the air inside of our homes and workplaces, as well as the foods that we eat.

وقريباً من هذه الأسباب نجدها أيضاً على موقع Global health center لمن أراد الإستزادة.

7. البعض سيقول الحديث لم يذكر سموم الطبيعه، وعلى زمن النبي يفترض أنه لا يوجد تلوث، ولا صناعه ولا مبيدات وكيماويات، فمن أين ستأتي السموم؟!

فأقول وبالله التوفيق، كلمة سُم في الحديث نكرة لتفيد العموم والشمول، فكل شيء من شأنه أن يُضعف البدن بصورة يومية مُتمررة، فيدخل تحت مُسمى السموم مهما كان مصدره. ومن نفى وجود سموم طبيعية يومية في زمن النبي، فلا علم له بطبيعة الصناعات التي كانت في زمانهم ولا المواد التي استخدموها، فمثلا صناعة السلاح من الحديد كانت منتشرة، ويخرج منها الكثير من السموم، واشعال النار في كل مكان كان قائم على حرق مواد عضوية، ومعلوم أن نواتج الحرق بها الكثير من السموم، وخصوصاً لو داخل مكان مُغلق للتدفئة، والخمر التي كانت مُنتشرة كانت سُم مُمرض وقاتل، والماء الذي شربوه كان معرض للأتربة بكل ما فيها من سموم الكائنات الحية بكل تفاعلاتها الكيميائية، حتى الأطعمة لم تكن عندهم طريقة لحفظها بحيث لا ينشأ عليها العفن او الميكروبات، فكانت مصدر لكثير من السموم. كما أن هناك سموم تتكون داخل الجسم فى أثناء عمليات الأيض في تفاعلات الأكسدة، كما أن بعض الكائنات الدقيقة التي تصيب جسم الانسان قد تفرز بعض السموم. وعليه فافتراض وجود بيئة خالية من السموم اليومية هو من الوهم الذي لا يدعمه الدليل.

8. قد يقول البعض فهمنا لماذا إستعمل الحديث كلمة سُم ولكن ما الذي تعنيه كلمة سحر؟
فأقول وبالله التوفيق، هذه الكلمة من الناحية اللغوية قد تُشير إلى المرض بصفة عامة، أو لبعض الإضطرابات النفسية والعقلية الناتجة عن أثر السموم أو نقص المغذيات، وكما نعلم الناس تعزو كثيراً من الأمراض وخصوصاً الخلل النفسي للسحر، وكان هذا حاصلاً في العرب الذين سموا زوال الصحة سحراً.

يقول ابن منظور فى لسان العرب (إِنما سمت العرب السِّحْرَ سِحْراً لأَنه يزيل الصحة إِلى المرض).

من الناحية الطبية يقول د. وليم ماتيسون تحت عنوان (الأسباب الخفية للأمراض العقلية)؛
العديد من الأمراض والمشاكل العقلية التي كنا نظنها بلا سبب وجدنا أنها راجعة للتعرض لسموم الطبيعة اليومية.
The Hidden Medical Causes of Mental Disorders

وفي مقال علمي اكثر من رائع بعنوان (الصحة العقلية والتعرضات البيئية)، يقول الكاتب؛
كثير منا يعرف أن سموم البيئة المُحيطة قد تؤدي إلى الأمراض ولكن نادراً ما نعلم أنها قد تصيب الحالة النفسية، ولكن الأدلة العلمية تشير إلى تأثيرات نفسية مؤقتة أو طويلة المدى بسبب السموم البيئية.
Mental Health and Environmental Expousers
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6210156

9. مما سبق يتبين لنا كيف أصاب النبي صلى الله عليه وسلم في الربط بين الأمراض والسموم البيئية التي نتعرض لها بصورة شبه يومية، ولا يخفى علينا جميعاً إستخدامنا اليومي لكلمتي سُم وسحر، فيقول أحدُنا أشعر كأنني مسموم أو مسحور وذلك عند الشعور بالإرهاق الشديد والكسل وعدم القدرة على ممارسة النشاط اليومي.

وأيضاً أصاب النبي صلى الله عليه وسلم حين حدد بدقة كيفية الوقاية من هذه السموم والأمراض عن طريق التصبح اليومي بالتمور، وبخاصة عجوة المدينة.

في عصرنا الحديث أصبح العلاج بالغذاء أمر لا يُنكره إلا جاهل، ومن إعجاز النص الإسلامي أنه سبق لذكر كيفية التداوى ببعض الأغذية مثل العسل والتمر والتلبينة، وحالياً هناك أقسام خاصة ببعض الكُليات لتدريس العلاج بالتغذية، ومثال ذلك:
Faculty of Natural Health Science
Nutrition / Diet Therapy

والتمر على سبيل الخصوص من بين كُل الأغذية له أثر وقائي عظيم ضد الكثير من سموم الحياةِ اليومية ومشاكل نقص الغذاء. حيث يحتوي على عشرات المواد الغذائية المُهمة والتي تكفي حاجات البدن لقيامه بأنشطته الحيوية. فهو غني بالسكريات والبروتينات والألياف والأملاح والفيتامينات، وفقير بالدهون، فيمثل بذلك الغذاء المثالي الذي توصي به الجمعيات الصحية العالمية ليمد الجسم بما يحتاجه من عناصر غذائية، وهذا يقود إلى الإستقرار الصحي البدني والنفسي.

وحقيقة أستحي أن أنقل مراجع علمية تُثبت فوائد التمر السابقة والتي تُعد حقائق لا تحتاج لمراجع بعد أن أثبتتها آلاف المقالات والكتب والرسائل العلمية، وعلى السادة المُلحدين إتعاب أنفسهم قليلاً بالبحث عن التأثير الوقائي للتمر في حالات السموم البيئية وأعراض نقص الغذاء باستخدام العبارة التالية:
Protective effects of palm dates against environmental toxins and nutritional deficiencies.

ولكن دعوني أنقل لكم دعوة علماء الغرب لأقوامهم بأن يتناولوا التمر يومياً لفوائده الصحية الكثيرة، وطبعاً المُلحد عندما يقرأ كلام عُلماء الغرب عن التمر يسعد كثيراً ويقول ما أعظم العلم الحديث وما يقدمه من خدمات جليلة لأجل سعادة البشرية، أما أن يجد نفس النصيحة من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يصدق ويُعاند ويثير الشبهات ويتهم النبي بالكذب وينفي وجود الخالق، فعجباً لكم أيها الملاحدة ولطريقة تفكيركم.

فهذا مقال بعنوان (أضف ثلاث تمرات إلى غذاءك اليومي وسوف تحدث لك خمسة أشياء).
Add three dates to a daily diet and these 5 things will happen!

وهذا مقال آخر بعنوان عشرة أسباب لتناول التمر في الإفطار.
10 Reasons To Eat Dates For Breakfast
Read more at http://fawesome.ifood.tv/health/444282-10-reasons-to-eat-dates-for-breakfast#1ggWpByemM7DLHoK.99

10. ينبغي الإلتفات لخصوصية نوع التمر المذكور في الحديث، فهذه النوعية فيها تخصيص بشكل يدعو الى فهم أن غيرها ربما لا يفيد بنفس الكيفية في الوقاية من السم والسحر، فهي سبع تمرات عجوة من تمر المدينة وليست أي بقعة في المدينة بل تمر العالية.
وعلمياً تركيب أي نبات يتأثر بنوعية التربة الموجود بها حيث تختلف العناصر الكيميائية نوعاً وكماً من تربة إلى أخرى، وقد اشار الله لذلك بقوله تعالى (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُل).
ولعل تُربة عالية المدينة بها عناصر كيميائية من نوعية مُعينة وبكمية مُعينة تتركز في تمور العالية بدرجة تجعل لها القدرة على وقاية الإنسان من الأمراض بشكل أفضل والله تعالى اعلى وأعلم.
ولذا انصح بعمل دراسة علمية للمقارنة بين تربة العالية وغيرها في المظينة وخارجها، وأيضاً المقارنة بين تمور العالية وغيرها لنتعرف على ما يُميز أرض العالية وتمورها، مع الأخذ في الإعتبار انه لا يوجد ما يمنع عقلاً ولا علماً أن تركيب أرض العالية قد تغير عما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ظهر الفساد في البر والبحر كما هو معلوم، وتغيرت طبيعة وتركيبة المزروعات والتي في بعض البيئات صارت سبباً في الأمراض بعد أن كانت سبباً في حفظ الجسد من الأمراص.
وليس أدل على ذلك من العسل الذي نص القرآن على أن فيه شفاء، ولكن أين هو هذا العسل الذي وصفه القرآن بخاصية الشفاء في زماننا، والله قلّ أن نجده.

11. لا يفوتني أن أشير إلى أن القدرة الوقائية للتمر قد تتحول إلى قدرة علاجية إذا قُمنا بزيادة الجرعة اليومية، فالحديث أشار للوقاية اليومية ولم يُشر للعلاج، ولذا أنصح الباحثين بتجريب جرعات كبيرة من التمر أو بعض مكوناته المعروفة بتاثيرها الوقائي من السموم وذلك لمُعالجة السموم على اختلاف أنواعها، فالنبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بتحديد الجرعة الوقائية سبع تمرات كل صباح لملائمتها لما يتعرض له الناس في زمانه، ولعل ما نتعرض له اليوم من سموم هو أسوء بكثير مما كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مما يتطلب زيادة الجرعة والله تعالى أعلى واعلم.

مما سبق يتبين لنا بجلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قصد سُماً قاتلاً ولا سحر السحرة وإنما أشار إلى ما يتعرض له الناس في حياتهم اليومية من أعراض تُشبه أعراض السم والسحر من حيث الضعف والعجز والكسل وتغير أحوال النفس والعقل. كما تبين لنا كيف كان إختياره للتمر للوقاية من هذه الأعراض مُعجزاً بكل ما تحمله كلمة إعجاز من معنى، فكيف له أن يعرف تركيب التمر وأنه غني بكل ما يحتاجه الجسد من مُغذيات ومضادات للأكسدة تكفي لعلاج كثير من الأمراض التي كانت تُصيب العرب في ذلك الزمان، ولو كان الإختيار بالصدفة لاختار العسل أو حبة البركة وقد نصح بهما في أكثر من حديث ولكنه اختار التمر بعلمٍ من ربه الذي يعلم السر وأخفى، ففي التمر فوائد غذائية عظيمة لا تتوفر في غيره من أغذية العرب في ذلك الزمان، والله تعالى أعلى وأعلم.

اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظن أو خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.

د. محمود عبدالله نجا
كلية الطب، جامعة المنصورة، مصر
 
عودة
أعلى