لا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام أفضل بني آدم، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، وقال: (أنا سيد ولد آدم)، فلا شك أنه أفضل رسل الله وأنبيائه، وتفضيله صلى الله عليه وسلم مجمع عليه.
وقد جاءت بعض النصوص مشكلة على هذه المسألة كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بساق العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور)، وغيره من الأحاديث التي ظاهرها معارضة ما تقدم من تفضيله صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء.
فهذا الحديث وما في معناه ينبغي الوقوف على معانيها والمقصود منها، فيقال: هو في هذا المقام المختص حين يصعق الناس يوم القيامة أول من يفيق، لكن هل موسى عليه الصلاة والسلام يفيق قبله، أم يكون موسى ممن استثنى الله؟ الجواب: الله أعلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حدث بالحديث قال: (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله)، فيجب في هذه المسألة الوقوف، ويحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوا بين الأنبياء) على ما إذا كان التفضيل على جهة التعدي، أو استلزم التفضيل التنقيص أو الإسقاط لحق نبي من الأنبياء.
ويدل لهذا مناسبة الحديث كما في الصحيح: (أن أحد اليهود قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه أحد الصحابة وقال: أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟! فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: لا تفضلوا بين الأنبياء).
وليس معنى الحديث منع المسلم أن يعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من غيره وأن موسى عليه السلام أفضل من كثير من الأنبياء، فإن الله قد قال في القرآن: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة:٢٥٣] وقال: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [الإسراء:٥٥]، ولكن من أصول أهل السنة، أنه لا يستطال على أحد من خلق الله لا بحق ولا بغير حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يذكر مذهب أهل السنة والجماعة في آخر الرسالة الواسطية قال: (ويرون ترك الاستطالة بحق أو بغير حق).
أما الاستطالة بغير حق: فكالاستطالة بمحض الظلم والكذب أو الخطأ أو الغلط، وهذا بين.
وأما الاستطالة بحق: فأن يكون الأصل الذي انطلق منه حقاً ولكنه زاد فيه، ومن أخوف ما يخاف على هذه الأمة، أن يتخذ العلم بغياً، وهو من أخلاق أهل الكتاب التي لما دخلت وشاعت فيهم، أفسدت ملتهم وجعلتهم شيعاً وأحزاباً.
وهذا مع الأسف يقع كثيراً في الناس اليوم وقبل اليوم، فيستطال على بعض الأعيان، أو بعض الطوائف بما هو من العلم، ولهذا وقع أول الافتراق في هذه الأمة لما استطال الخوارج بالحق، أي: أنهم استدلوا بالقرآن، وقالوا: لا حكم إلا لله، كان من فقه الإمام علي رضي الله عنه أن قال: (كلمة حق أريد بها باطل).
فينبغي لطالب العلم أن يفقه هذه المسألة وأن يعرف أدب أهل السنة، فإن العلم إنما بُعث هدىً ورحمة، ولم يكن العلم الذي أوحاه الله إلى أنبيائه ورسله ليتخذ بغياً واستطالة، فإن طلب العلو في الأرض غاية فرعون وأمثاله الذين ذمهم الله في كتابه.
ولهذا لما ذكر الله سبحانه وتعالى العلو المناسب للمؤمنين جعله مطلقاً، فقال: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} [آل عمران:١٣٩]،
ولما ذكر فرعون قال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ} [القصص:٤] فالعلو المناسب للمؤمن هو العلو الإيماني، الذي يقوم على العدل والرحمة، ولهذا لما ذكر الله سبحانه الخضر قال: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف:٦٥]،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الرسل بعثوا بالعلم والرحمة، فالرحمة بلا علم جهل، والعلم بلا رحمة ظلم وبغي)، وموجب الخطأ في بني آدم إما الجهل وإما الظلم، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:٧٢].
لو أن المصنف رحمه الله قال: (وخليل رب العالمين) لكان أجود، لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، وإن كان اللفظ لا إشكال فيه، وإنما الكلام في الأولى.
قوله: (وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى)، أقول: بل هي كفر مجمع عليه كما تقدم.
[عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم للجن والإنس]
قال: (وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء):
من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى الإنس والجن، قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما: (فضلت على الأنبياء بست) وفي رواية: (فضلت على الأنبياء بخمس)، ومنها: (بعثت إلى الخلق كافة)، وهذا لكون رسالته ونبوته خاتمة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار).
فكل من بلغته دعوته صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به، سواء كان ترك دعوته اتباعاً لنبوة نبي سابق كعيسى أو موسى عليهما السلام، أو كراهية أو لغير ذلك؛ فإنه من أهل النار وممن كفر بالله سبحانه وتعالى.
من أصول الإيمان: الإيمان بالكتب المنزلة على أنبياء الله عليهم السلام، ومن أخص هذه الكتب: القرآن العظيم،
فهو أفضلها وأحكمها والمحفوظ منها -بحفظ رب العالمين- إلى يوم الدين، وهو كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
قال المصنف رحمه الله: [وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً،
وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر:٢٦]
فلما أوعد الله بسقر لمن قال: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر:٢٥] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر،
فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله تعالى بصفاته ليس كالبشر].
بعدما ذكر المصنف مسألة النبوة ذكر مسألة كلام الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن من أصول الإيمان: الإيمان بكتب الله سبحانه وتعالى، وهي الكتب المنزلة على الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأخص هذه الكتب وأعظمها وأحكمها هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعظيمُ القرآن مجمع عليه بين المسلمين
ولكن لما عطل الجهمية والمعتزلة الباري عن صفاته، ولم يصفوه بصفات الكمال، كان من تلك الصفات صفة الكلام، فقالوا: إن كلام الله مخلوق، ولما كان صريحاً في القرآن أن القرآن كلام الله قالوا: القرآن مخلوق.
وقد أجمع السلف على أن هذه كلمة كفرية، وقد حكى الإجماع غير واحد كـ شيخ الإسلام وغيره، بل القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، حروفه ومعانيه،
وهذا التقرير هو فرع عن الأصل المقول في الصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى، ومن أخص صفاته الثابتة في العقل والشرع: الكلام، فإن الله موصوف بالكلام.
[خلاصة مذهب أهل السنة في كلام الله]
ومذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، أن الله موصوف بهذه الصفة أزلاً وأن كلامه سبحانه وتعالى متعلق بقدرته ومشيئته، وأنه بحرف وصوت مسموع.
وقد ذكر الله القرآن وسماه تنزيلاً، وذكر القرآن وسماه كلاماً له في قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة:٦]
ولهذا قال المصنف: (وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً) أي أن القرآن بدأ منه سبحانه وتعالى قولاً له، بحرف وصوت مسموع.
[براءة الطحاوي من مذهب الأشعرية والكلابية في كلام الله]
قال رحمه الله: (وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة) لما استعمل لفظ الحقيقة، كان هذا درءاً لمذهب الأشعري وأمثاله الذين قالوا: إن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله وليس كلام الله على الحقيقة.
فهذه الجملة من أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تبين أنه لم يكن على طريقة الأشعرية، وإن كان قد يغلط أو يتأثر أحياناً ببعض السياقات التي يستعملها بعض أئمة الأشعرية، ويكون تأثره بها تأثراً لفظياً.
الأشعري وابن كلاب أثبتوا صفة الكلام لله إثباتاً غير متصور في العقل، فقالوا: إن الكلام معنى واحد يقوم في النفس، ليس بحرف ولا بصوت، ولا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وهذا مذهب شاذ أحدثه عبد الله بن سعيد بن كلاب وتبعه عليه الأشعري وأمثاله، وليس هو قول أهل السنة ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة، بل كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه قول مخالف للعقل فضلاً عن مخالفته للشرع.
فلما قال ابن كلاب والأشعري: إن الكلام معنى واحد يقوم في النفس ليس بحرف ولا صوت، جعلوا القرآن الذي هو حرف حكايةً أو عبارةً عن كلام الله، وليس كلاماً له، ولا شك أن هذا تناقض؛ فإن من أثبت الكلام لله، لزمه أن يجعله بحرف وصوت؛ لأن الكلام كذلك.
وهذا يقود إلى مسألة، وهي: حقيقة الكلام؛ فإن الذي أجمع عليه أهل السنة أن الكلام يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، ليس هو اللفظ وحده ولا المعنى وحده، والمشهور عند النحاة أن الكلام هو اللفظ، وإن كان من يطلق ذلك من النحاة، ليس بالضرورة أنه يلتزم بعض النتائج المقولة في أصول الدين، ومن هنا قال ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد .... ... .
وجعلوا المعنى مدلولاً لهذا اللفظ، ولم يجعلوا لفظ الكلام متناولاً له، وغلط ابن كلاب والأشعري، فقالوا: إن الكلام هو المعنى وحده، وقال طائفة: إنه مشترك بين اللفظ وبين المعنى على الانفكاك، فيكون اللفظ وحده كلاماً ويكون المعنى وحده كلاماً.
والله سبحانه لم يذكر الكلام مطلقاً إلا وأراد به ما كان بحرف وصوت، وأما قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ} [المجادلة:٨]، فمثل هذا السياق لا يدل على مذهب الأشعري، لأنه سياق مقيد، فضلاً عن كون طائفة من المفسرين قالوا في تفسيرها: أنهم يقولون فيما بينهم كلاماً لا يسمعه غيرهم.
قال: (ليس بمخلوق ككلام البرية)، وفي هذه الجملة مفارقة لمذهب المعتزلة، فإن المعتزلة تقول: إنه مخلوق.
قوله: (فمن سمعه فزعم أنه من كلام البشر فقد كفر ... إلخ).
من قال: القرآن مخلوق فقوله كفر؛ لكن قائل ذلك لا يكفر ابتداءً إلا إذا علم أن الحجة قد قامت عليه، وقد كان في زمن السلف رحمهم الله أعيان كثيرون من الجهمية والمعتزلة وغيرهم يقولون: إن القرآن مخلوق، وما كان أحدٌ من السلف يطرد تكفير أعيانهم، وذلك أن ثمة أصلين عظيمين شريفين في مسألة: التكفير لمن غلط من أهل القبلة في مسائل أصول الدين، قررهما شيخ الإسلام:
الأصل الأول: أن المقالة التي تكون في حكم الله ورسوله كفراً لا يلزم منها أن يكون كل من قالها من أهل القبلة كافراً، ومن ذلك قولهم: إن القرآن مخلوق.
وتقدم أن شيخ الإسلام يقول: (والإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية الذين قالوا بخلق القرآن فإنه لم يشتغل بتكفير أعيانهم، بل قد صلى الإمام أحمد خلف بعض من يقول بخلق القرآن ودعا له واستغفر له)، ويعني بذلك الخليفة المعتصم، فإنه كان يقول بخلق القرآن تبعاً لأئمة المعتزلة، ومع ذلك فقد صلى الإمام أحمد خلفه ودعا له واستغفر له، ولو كان يرى كفره لما فعل ذلك.
وأما من قال: إن الإمام أحمد إنما فعل ذلك خلفه -أي الصلاة والدعاء- لكونه سلطاناً، ولو لم يكن سلطاناً لكفره، فهذا جاهل لا يعرف ما يقول، ومعلوم أن هذه المسائل لا تكفها مسألة السلطنة، بل كان الإمام أحمد لا يرى كفر المعتصم، والمذهب عند متأخري الحنابلة أن الفاسق لا يصلى خلفه، ولو كان الإمام رحمه الله يرى أن المعتصم كافراً لما دعا له واستغفر له وصلى خلفه، مع أن المعتصم كان ثابتاً على القول بخلق القرآن، ومع أنه سمع المناظرة، وسمع انقطاع أئمة المعتزلة بين يدي الإمام أحمد.
الأصل الثاني: أن يُعلم أن الواحد من أهل الصلاة والشعائر الظاهرة، لا يكون كافراً في نفس الأمر -أي في الحكم الباطن- إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة والشعائر الظاهرة نفاقاً.
ومعلوم أنه لا يلزم من الحكم بكفر شخص ظاهراً أن يكون كافراً باطناً، ولا يلزم من الحكم بإسلامه ظاهراً أن يكون مسلماً باطناً، فالمنافقون عند كثير من المسلمين يحكم لهم بالإسلام مع أنهم عند الله كفار، وكان جماهير الصحابة زمن النبوة لا يعرفون عامتهم، بل إن ظاهر القرآن يدل على أن من المنافقين من كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، قال الله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة:١٠١] وقد يُكّفر أحد أعيان أهل القبلة من بعض العلماء اجتهاداً، وقد يكون هذا الاجتهاد في نفس الأمر صواباً وقد يكون غلطاً، قد يكون له من العذر الذي لم يطلع عليه ما يدفع عنه الكفر عند الله.
وهذا الأصل ليس مشكلاً كما ادعى بعض المعاصرين، فقال: إن كلام شيخ الإسلام فيه نظر، بل إن أحكم من قرر مسألة التكفير من المتأخرين هو الإمام ابن تيمية رحمه الله، وقد بناها بناءً شرعياً عقلياً؛ فإنه قال بعدما ذكر هذا الأصل: (وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بُعث بمكة كان الناس أحد رجلين، إما مؤمن ظاهراً وباطناً وإما كافر ظاهراً وباطناً، ولما هاجر إلى المدينة ظهر نوع ثالث، وهم من آمن ظاهراً وكفر باطناً.
والمؤمنون ظاهراً وباطناً على ثلاثة أقسام: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات.
قال: فالذي يُظهِر الصلاة والصوم والحج ويعتمر ويؤذن ويقيم، لا يسمى كافراً ظاهراً وباطناً لأنه في الظاهر مسلم، قال: فدار بين كونه مؤمناً ظاهراً وباطناً وبين كونه مؤمناً ظاهراً كافراً في الباطن، قال: وإذا قلنا عن أهل البدع المخالفين لإجماع السلف: إنهم مؤمنون ظاهراً وباطناً، فإنما يعنى بهذا الإيمان: الأصل الذي يفارق الكفر، قال: وإلا فإن عامتهم ظالمون لأنفسهم، لأن مثل هذه البدع لا تكون إلا عن تقصير في متابعة أمر الله ورسوله، وهذا التقصير في العلم هو من أخص الكبائر والظلم).
ولهذا قال رحمه الله -وهذا أصل ثالث-: (إن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول فأخطأ فإن خطأه مغفور له).
فذكر ثلاثة شروط: الأول: أن يكون أراد الحق، والثاني: أن يكون مجتهداً في طلبه، والثالث: أن يكون طلبه إياه من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال: (فمن عدم الإرادة، أو عدم الاجتهاد، أو طلبه من غير جهة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون كافراً، وأما من أراده واجتهد فيه من جهة الرسول فأخطأه: فإنه في الأصول الشائعة بين المسلمين أنه لا يخطئه إلا مقصر إما في مقام الإرادة، أو مقام الاجتهاد، قال: فهذا هو الظالم لنفسه).
قال المصنف رحمه الله: [والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:٢٢ - ٢٣]
وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه].
الرؤية من أخص الصفات التي حصل فيها النزاع، وقد أجمع السلف على أن المؤمنين يرون ربهم عياناً بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، في عرصات القيامة، وفي الجنة.
والدليل على ذلك: الكتاب، والمتواتر من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع.
وقد نفى الرؤية أئمة الجهمية والمعتزلة، وطوائف من الشيعة المقلدة للمعتزلة، وهذا المذهب بدعة بإجماع السلف، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: (إن من بلغته نصوص الرؤية ولم يقل بها، فإنه يكون كافراً إذا قامت الحجة عليه بها)، وقد جاء عن غير واحدٍ من السلف كـ أحمد ومالك، أنهم سموا الخلاف في هذه المسألة كفراً.
ولا شك أن الأمر كذلك، فإن من خالف صريح النصوص، ومتواتر السنة، وصريح الإجماع، فإن قوله يكون كفراً وإن كان قائله لا يكفر ابتداءً كالمسألة التي تقدمت في قول من قال: إن القرآن مخلوق، فلا فرق بين المسألتين في الحكم.
وأما دلائل الرؤية فمن القرآن قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:٢٢ - ٢٣] فإن النظر أضيف إلى الوجوه وعدي بـ (إلى)، فدل ذلك على أن المراد به النظر بالأبصار.
وتعلم أن النظر في لسان العرب يأتي بحسب سياقه على غير معناه كقولهم: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد:١٣] وكقوله: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:١٨٥]، فهذه معان مختلفة، وهذه قاعدة من أهم القواعد لطالب العلم في فقهه لمذهب أهل السنة ودلائلهم: وهي أن تفسير الأئمة للآيات والأحاديث النبوية، ليس معتبراً بوضع الكلمة المفردة في اللغة، بل هو معتبر بسياق الكلام نفسه.
وهذا يرد قول من قال: إن النظر في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:٢٢ - ٢٣]، بمعنى الانتظار؛ لأن النظر يأتي في كلام العرب على معنى الانتظار، ومنه قوله: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد:١٣] أو قال: إنه التفكر، لأنه يأتي في كلام العرب كذلك ومنه قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ} [الأعراف:١٨٥] أي: نظر تفكر أو نحو ذلك.
ومثله في الصفات الأخرى، كقول من قال إن اليد في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥] المراد بها هنا النعمة؛ لأن العرب تذكر اليد وتريد بها النعمة.
ومنه قول عروة بن مسعود لـ أبي بكر رضي الله عنه في الحديبية كما في الصحيح: (لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك).
أي: لولا نعمة لك علي.
فالسياق يوجب أن تفسر اليد بالصفة ويرد تأويلهم؛ فإن قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥] ذكر لفظ اليد هنا مثنىً مضافاً، وإذا ذكر مثنىً مضافاً، فإنه لا بد أن يفسر بالصفة القائمة بموصوفها ولا يمكن أن يكون المراد به النعمة أو نحو ذلك.
ومن دلائل الرؤية قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:٢٦]، فلفظ الزيادة لفظ مجمل، لكنه صلى الله عليه وسلم في حديث صهيب الذي رواه مسلم فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله، ومن هنا كان هذا اللفظ مبيناً بالسنة.
ومن دلائلها قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام:١٠٣]، فإن الله نفى الإدراك، والإدراك قدر زائد على أصل الرؤية، فلما خص القدر الزائد بالنفي دل على أن ما دونه ثابت، وإلا فلا معنى لتخصيص القدر الزائد بالنفي، بمعنى أنه لو كان أصل الرؤية ممتنعاً، فلن يكون لتخصيص القدر الزائد بالنفي معنى، ومعلوم في حس بني آدم أن بين الإدراك وأصل الرؤية فرقاً، فإنك إذا رأيت الشيء لا يلزم أن تكون قد أدركته.
وقد قال رجل لـ ابن عباس رضي الله عنهما: يا ابن عباس إن الله يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:٢٢ - ٢٣] ويقول: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: ألست ترى السماء؟ قال الرجل: بلى؛ قال: أتدركها كلها؟ قال الرجل: لا.
قال فالله أعظم.
وأما قول من قال: إن تفسير قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: لا تراه في الدنيا، فهذا قول قاله طائفة من أهل السنة ولكنه ليس براجح، بل الصحيح أن الآية على عمومها، وأن من خصائصه سبحانه أنه يُرى ولا يدرك، بخلاف غيره؛ فإنه إذا رئي يدرك أو يكون ممكن الإدراك، وهذا معنى قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:١١] أي في صفاته الثابتة، فهو يرى ولا يدرك، كما أنه يُعْلَم من علمه شيء ولا يحاط به علماً.
ومن دلائل الرؤية عند أهل السنة قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف:١٤٣]، ووجه الدلالة أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه الرؤية، ولو كان -كما تزعم المعتزلة- من أصل التوحيد أن الله سبحانه تمتنع عنه الرؤية، للزم من ذلك أن يبعث الله رسولاً ويصطفيه برسالته وبتكليمه على الناس، ويكون جاهلاً بأصل من أصول الربوبية!
وقد علق الله رؤيته بأمرٍ ممكن، وهو استقرار الجبل مكانه، فدل على أنها ممكنة.
ومن دليل أهل السنة والجماعة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم: متواتر الحديث؛ فإنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق نحو ثلاثين من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة، في الصحيحين والسنن والمسانيد، تصريحه صلى الله عليه وسلم بين يدي أصحابه مع اختلاف أحوالهم: أن المؤمنين يرون ربهم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا تضامون في رؤيته) متفق عليه.
ومن ذلك حديث أبي موسى في الصحيحين، وحديث صهيب عند مسلم، وحديث جرير بن عبد الله البجلي إلى غير ذلك.
[اعتراض القاضي عبد الجبار على أحاديث الرؤية والرد عليه]
ومن جهل علماء المعتزلة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن أكبر قضاتهم في زمنه، وهو القاضي عبد الجبار بن أحمد صاحب (المغني) و (المحيط بالتكليف) وغيرها، قال: (وأما ما استدلت به العامة -يعني: أهل السنة- من الحديث فهو آحاد، لم يروه إلا جرير بن عبد الله البجلي).
وهذا جهل من جهتين:
الأولى: أن حديث الرؤية رواه نحو ثلاثين من الصحابة، فكيف يقول: إنه لم يروه إلا جرير بن عبد الله البجلي، خاصة أن اللفظ الذي ذكره جرير ذكره غيره من الصحابة.
الثانية: وهي زعمه أن دليل الآحاد لا يُستدل به.
[حكم الاحتجاج بالآحاد في العقائد]
شاع في كتب طائفة من الأصوليين وعلماء الكلام، وبعض علماء المصطلح؛ تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر، وهذا التقسيم من حيث هو اصطلاح لا إشكال فيه، وإنما الغلط هو حد من قال: إن المتواتر هو ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، ثم جعل كل ما خالف المتواتر آحاداً، ورتب المعتزلة وطوائف من الأشاعرة على ذلك نتيجة، وهي أن الآحاد لا يحتج بها في العقائد والأصول.
فهذا الحد للمتواتر غلط على السنة، لأنهم قالوا: ما رواه جماعة عن جماعة، ثم ذكروا خلافاً في حد الجماعة، والذي يستقر عليه كثيرٌ منهم هو: العشرة أو ما يقاربهم فعلى طريقتهم، لا يصير الحديث متواتراً إلا إذا رواه عن الرسول عليه الصلاة والسلام من الصحابة عشرة، ورواه عن كل صحابي عشرة، فيكون العدد في التابعين مائة، ورواه عن كل واحد من هؤلاء المائة عشرة، فتكون الطبقة الثالثة ألفاً من الرواة، ومثل هذا لا ترى له مثالاً في السنة، وإن فرض له مثال فهو يسير جداً.
وقد صرح بعض الحفاظ الذين ذكروا هذا الحد أنه لا مثال له على هذا الوجه، فلو صحح رأيهم في المتواتر على هذا الوجه لكان نتيجة ذلك: أن السنة لا يحتج بها في الاعتقاد، لأنه لا يوجد حديث متواتر على هذا الحد.
وأما أن تقسم الرواية إلى متواتر وآحاد على حد يختلف عن ذلك فهذا لا بأس به، وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله وطائفة من المتقدمين لفظ المتواتر في كلامهم، لكنهم لم يوردوا للمتواتر هذا الحد الذي زعمه المتكلمون ودخل على طائفة من الأصوليين وعلماء المصطلح المتأخرين.
شاع في كتب طائفة من الأصوليين وعلماء الكلام، وبعض علماء المصطلح؛ تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر، وهذا التقسيم من حيث هو اصطلاح لا إشكال فيه، وإنما الغلط هو حد من قال: إن المتواتر هو ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، ثم جعل كل ما خالف المتواتر آحاداً، ورتب المعتزلة وطوائف من الأشاعرة على ذلك نتيجة، وهي أن الآحاد لا يحتج بها في العقائد والأصول.
فهذا الحد للمتواتر غلط على السنة، لأنهم قالوا: ما رواه جماعة عن جماعة، ثم ذكروا خلافاً في حد الجماعة، والذي يستقر عليه كثيرٌ منهم هو: العشرة أو ما يقاربهم فعلى طريقتهم، لا يصير الحديث متواتراً إلا إذا رواه عن الرسول عليه الصلاة والسلام من الصحابة عشرة، ورواه عن كل صحابي عشرة، فيكون العدد في التابعين مائة، ورواه عن كل واحد من هؤلاء المائة عشرة، فتكون الطبقة الثالثة ألفاً من الرواة، ومثل هذا لا ترى له مثالاً في السنة، وإن فرض له مثال فهو يسير جداً.
وقد صرح بعض الحفاظ الذين ذكروا هذا الحد أنه لا مثال له على هذا الوجه، فلو صحح رأيهم في المتواتر على هذا الوجه لكان نتيجة ذلك: أن السنة لا يحتج بها في الاعتقاد، لأنه لا يوجد حديث متواتر على هذا الحد.
وأما أن تقسم الرواية إلى متواتر وآحاد على حد يختلف عن ذلك فهذا لا بأس به، وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله وطائفة من المتقدمين لفظ المتواتر في كلامهم، لكنهم لم يوردوا للمتواتر هذا الحد الذي زعمه المتكلمون ودخل على طائفة من الأصوليين وعلماء المصطلح المتأخرين.
الجهمية والمعتزلة هم نفاة الرؤية، والقاعدة أنه لم ينف جهمي أو معتزلي صفة من الصفات لدليل من القرآن أو السنة،
وغاية ما يستدلون به قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وهذا دليل مجمل لا دلالة فيه، إنما فيه تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مماثلة غيره، وهذا مما استقر عند سائر المسلمين.
وأما استدلالهم على نفي الرؤية بقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}
فلو سلم جدلاً أن الآيتين تدلان على مراد المعتزلة، فتكون نتيجة الدليل نفي الرؤية مع إمكانها؛ لكن المعتزلة والجهمية يقولون: إن الرؤية ممتنعة،
ومعلوم أن المنفي قد يكون ممكناً وقد يكون ممتنعاً، فإذا قيل لك: هل لك ولد؟ فقلت: لا، فلا يعني هذا أن الولد في حقك ممتنع، بل هو ممكن، لكنه لم يوجد حتى الآن.
فإذاً: الامتناع يستلزم النفي، ولكن النفي لا يستلزم الامتناع، فقد ينفى الشيء وهو ممكن، وقد يُنفى الشيء وهو ممتنع،
فلو وقفت المعتزلة عند الدليل الذي زعمت أنها تستدل به، للزمهم أن يقولوا: إن الرؤية منفية ولكن لا نقول: إنها ممتنعة.
لكن لما قرروا أنها ممتنعة بما يسمونه دليل المقابلة، وهو عندهم امتناع الرؤية لامتناع العلو على الله تعالى، ودليل الانطباع، وغيرها من الدلائل الكلامية الفلسفية،
وحكموا عليها بالامتناع، ثبت أنهم ليس لهم دليل لا من الكتاب ولا من السنة.
مذهب الأشاعرة في الرؤية، ملفق من مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة؛ فإنهم قالوا: إن الله يرى بلا جهة، وهذا الذي تقلده المتأخرة من الأشاعرة كـ أبي المعالي والرازي؛ لأنهم ينفون العلو، وأرادوا بنفي الجهة نفي العلو، وقد يوجد في كلام بعض شراح الحديث كالنووي عبارة: إن الله يرى بلا جهة، ولكن ليس مقصوده نفي العلو عن الله تعالى كما يقصد هؤلاء.
وقد كان الأشعري وقدماء أصحابه يثبتون الرؤية إثباتاً حسناً.
قول المصنف: (والرؤية حق لأهل الجنة) أراد بأهل الجنة هنا: المؤمنين، وإلا فإنهم يرونه في الجنة ويرونه قبل ذلك في عرصات القيامة.
قوله: (بغير إحاطةٍ) أي: بغير إدراك، كما في قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام:١٠٣]، وقوله: (ولا كيفية) هذه كلمة مجملة، لو لم يعبر بها لكان أجود؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الرؤية فقال: (كما ترون القمر ..) وقال: (وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب).
وهذا ليس من أحاديث التشبيه كما زعم بعض علماء المعتزلة، فإن التشبيه هنا تشبيه للرؤية بالرؤية وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي، كقوله عليه الصلاة والسلام: (أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر)، ولم يلزم من ذلك أنهم مماثلون في الحقيقة للقمر، وهذا مستقر بأصل العقل، والعرب تارة تذكر التشبيه للصفة، وتارةً تذكر التشبيه للموصوف.
قال: (وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه) هذا حرف مجمل ولا شك أن تفسير كلام الله هو على ما أراده الله وعلمه، كما قال الإمام الشافعي في الصفات: (نؤمن بما جاء في كتاب الله، وجاء في سنة رسول الله، على ما أراد الله)،
وهذه جملة مجمع عليها بين السلف؛ ولكن هذا الحرف يستعمل لنوع من التفويض، وقد استعمل التفويض في الرؤية طائفة من علماء الأشاعرة الذين فسروا كلام متكلميهم في قولهم: يرى بلا جهة، فقالوا: هي رؤية علمية، وهذا رجوع لمذهب المعتزلة، حتى قال أبو حامد الغزالي: (إن الفرق بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة هو فرق لفظي).
فقوله: (وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه) هذه جملة مجملة، فلا شك أن التفسير هو على مراد الله وعلمه، ولكنه معلوم بتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأمته.
يذكر في كلام كثير من أهل العلم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، وهذه المسألة ليست من المسائل الأصول، فليست من حيث القدر والشرف كمسألة رؤية المؤمنين لربهم الثابتة في الكتاب، ومتواتر الحديث، والإجماع التام.
أما رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه ليلة المعراج فإن فيها طرفاً من النزاع على طريقة أهل السنة والمتكلمين، وإنما الغلط حصل في طريقة بعض المتأخرين من أهل العلم الذين جعلوا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج ببصره قولاً لأكثر أهل السنة، وربما قال من قال منهم بأنه قول أكثر الصحابة، ولم يخالف إلا عائشة وطائفة، وهذا غلط بيِّن؛ فإنه لم يصح هذا القول عن واحد من الصحابة، وإنما الذي صح عن جماعة من الصحابة، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده، وهذا قاله ابن عباس كما في الصحيح، وطائفة من الصحابة.
ومع هذا فما يستدل به ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في هذه المسألة بعضه مما يصحح، وبعضه مما يخالف فيه، فإنه فسر بعض الآيات برؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه بفؤاده، في حين أن عائشة روت مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد جبريل عليه السلام.
إلا أن هذا القول المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما هو القول الشائع عند طائفة من السلف، وقد كان الإمام أحمد وجماعة من أئمة السنة والحديث يقيدون فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده، وتارةً يقولون: إنه رآه، فيطلقون، وأُثر ذلك عن ابن عباس، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فما صح عن ابن عباس إما مطلقاً وإما مقيداً، فيحمل مطلق كلامه على مقيده، قال: ولم يصح عن ابن عباس ولا عن أحد من الصحابة أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ببصره.
قال: وكذلك الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة والحديث، فإن قولهم على هذا الوجه، وإن كان طائفة من متأخري أصحابنا يحكون عن أحمد وغيره من متقدمي الأئمة، ما هو من التصريح برؤية البصر، قال: وهذا من فهم كلامهم، وليس هو ما أُثر عنهم على الوجه المحقق).
فالحاصل أنه لم يصح عن صحابي من الصحابة أنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ببصره، وعليه فيكون هذا القول كأنه محدث، وإن كان في الجزم بهذا بعض التردد، وقد حكى الدارمي رحمه الله وهو من متقدمي المحققين من أئمة السنة إجماع الصحابة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربه ببصره.
وهذا الإجماع الذي حكاه الدارمي ليس هناك من الآثار المروية عن الصحابة ما يعارضه، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين أنها قالت لـ مسروق: (ومن حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب)،
ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه نازع عائشة رضي الله تعالى عنها في ذلك، وإذا اعتبر الاستدلال بغير دليل الإجماع فإن ظاهر القرآن وصريح السنة، تدل على نفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ببصره.
أما القرآن فلأن الله تعالى لما ذكر معراج نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء:١] وقال سبحانه: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم:١٨]،
فذكر في الموضعين امتنانه سبحانه وتعالى على نبيه برؤية الآيات، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه في معراجه ببصره لكان الإشادة والامتنان بذكر رؤيته لربه أظهر وأولى من الإشادة والامتنان بذكر رؤية الآيات.
وأما السنة فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن شقيق أنه قال لـ أبي ذر رضي الله عنه: (لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، فقال له أبو ذر: عمَ كنت تسأل؟ فقال: أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: أما إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت نوراً) وفي الوجه الآخر من حديث عبد الله بن شقيق نفسه عن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو ذر قال: (نورٌ أنى أراه).
وقد كان الإمام أحمد وبعض متقدمي أئمة الحديث يتأخرون عن تصحيح هذا الوجه من الرواية، فإن صح هذا فالمعتبر وجه واحد، وإن استقام ما ذهب إليه الإمام مسلم ومن اعتبر رأيه في هذا، فإن كلا الوجهين يكون صحيحاً ولا يكون هناك تعارض،
والحق: أن جهة التعارض ليست هي الموجبة للتردد في صحة كلا الوجهين، وإنما الموجب لذلك أن وجه الرواية من حيث السؤال واحد، فإما أن يكون النبي أجاب بهذا أو أجاب بهذا، وإن كان فرض الجمع بين الجوابين ممكن وليس متعذراً؛ فقوله: (رأيت نوراً) ليس مخالفاً من حيث المعنى لقوله: (نورٌ أنى أراه)، أي أن النور حال دون رؤيته، وهذا النور الذي رآه صلى الله عليه وسلم فإنه -والله أعلم- هو نور الحجاب،
فإنه ثبت في صحيح مسلم رضي الله عنه من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وعليه فإن المستقر عند متقدمي السلف من الصحابة ومن بعدهم، أن يُقال: إن النبي رأى ربه بفؤاده ولا يصرح برؤية البصر.
المسألة الثالثة من مسائل الرؤية -وهي دون المسألة الثانية-: رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة، وهذه مسألة نزاع بين أهل السنة المتأخرين وغيرهم، قال شيخ الإسلام: (ولم يحفظ للصحابة فيها قول بيَّن)، والأقوال التي يذكرها أصحاب السنة والجماعة ثلاثة، وبعضهم يزيد فيها إلى أربعة، وبعضهم يجعلها خمسة، وهي:
القول الأول: أنه لا يراه في عرصات القيامة سائر أجناس الكفار سواء كانوا من المشركين، أو من أهل الكتاب أو من المنافقين، فلا يراه في عرصات القيامة إلا أهل الإيمان.
القول الثاني: أنه يراه سائر الكفار من أهل الكتاب وأهل الشرك وأهل النفاق، ثم يحتجب عنهم.
القول الثالث: أنه لا يراه إلا المنافقون دون بقية الكفار.
القول الرابع: أنه يراه المنافقون وغبرات من أهل الكتاب، أي: بقايا من أهل الكتاب.
القول الخامس: وهو التوقف في المسألة والكف عنها.
وإنما قيل: إن الأقوال ثلاثة؛ لأن من يقول بالقول الثالث لا يعارضون ما يقوله أصحاب القول الرابع، ويفسرون هذا النوع من أهل الكتاب بأنهم متحنفة أهل الكتاب، الذين لم يدركوا دين الإسلام.
وأما مذهب التوقف ففي كلام الأصوليين حينما يحكون المذاهب في المسائل الأصولية أو غيرها، كثيراً ما يذكرون مذهب التوقف، وهم أكثر الأصناف ذكراً للتوقف قولاً.
والصحيح أن التوقف الذي معتبره عدم العلم بالدليل لا يعد قولاً، وأما التوقف الذي يكون عن اشتباه في مورد الأدلة، فإنه يعد قولاً.
وإذا سئل عن الراجح، فإن المسألة ليس فيها قول يجزم به، فبعض ظواهر الحديث المخرجة في الصحيح تدل على أن المنافقين وطوائف من أهل الكتاب يرون ربهم، وإذا اعتبرت ظاهر القرآن، وظاهر كلام المتقدمين من السلف، فإنه يدل على أنه لا أحد من الكفار يرى ربه،
وقد كان الشافعي ومالك والإمام أحمد يحتجون بقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}
على رؤية المؤمنين لربهم، وهذا يعني أنهم يرون أن الكفار لا يرونه.
وهكذا قال شيخ الإسلام: إن ظاهر مذهب المتقدمين من السلف أن الكفار لا يرون ربهم، وهذا هو ظاهر القرآن؛ فكأن هذا القول هو الأولى في المسألة،
وإن كان الخلاف في المسألة واسعاً وليست هي -بإجماع أهل العلم- من المسائل الأصول.
قال المصنف رحمه الله: [وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا].
علق المصنف المراد في باب الأسماء والصفات على مراد الله ورسوله، وهو تعليق صحيح؛ فإن المعتقد الذي يجب على كل مسلم هو ما أراده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن الإجمال لهذا التعليق كأنه يُشعر بأن ثمة قدراً من التفويض في المعنى في بعض الموارد،
وهذا لا يُقصد به أن أبا جعفر رحمه الله ينزع إلى مذهب التفويض، فإنه ليس كذلك فيما يظهر من كلامه، وإنما المراد أن نبين أن الكلام وإنك ان معتبراً بمراد الله ورسوله لكن ينبغي أن يكون بيناً في تفسير هذا المعنى.
وتفصيل هذا أن يقال: إن مراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم بين، سواء كان مراداً علمياً أو مراداً إرادياً، ولما نزل القرآن وتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين لم يبق شيء مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لا يُعرف معناه،
وقد علم هذا المعنى أمته، وإن كانت الأمة قد تختلف في تحصيل علمه صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنهم لا يجمعون على الغلط.
وقد شاع في كلام كثير من المتأخرين من متكلمة الأشاعرة ومن تأثر بهم من الفقهاء وغيرهم، أن التفويض مذهب مأثور عن السلف، أي: تفويض المعنى، وتقدم أن المعنى بإجماع السلف في صفات الله معلوم، وأن القول الذي قاله مالك رحمه الله لا يختص بصفة الاستواء بل هو مطرد في سائر الصفات،
وصفة الرؤية التي ذكر الطحاوي رحمه الله عندها هذا التعليق أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم إيضاحاً تاماً لا يمكن معه أن يقال: إنا لا نعلم المراد من هذا الحديث، وأما مقالة التفويض فهي من شر مقالات أهل البدع والإلحاد، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله.
وطريقة التفويض: طريقة ملفقة استعملها قوم من الأشاعرة للتوفيق بين طريقتهم الكلامية وطريقة السلف، ولم يكن هذا المعنى مقصوداً عند أئمة الجهمية والمعتزلة، لأنه لم يكن من شأن الجهمية والمعتزلة انتحال مذهب السلف وأهل السنة، وهذا هو الفرق الموجب لظهور مسألة التفويض.
بخلاف الأشاعرة فإنهم ينتحلون مذهب أهل السنة ويعظمون طريقة الأئمة ولكنهم يرونها تخالف طريقتهم في نفس الأمر، فإن السلف لم يستعملوا التأويل، فصاروا يجعلون السلف على التفويض.
وصار الواحد من متكلميهم ربما استعمل طريق التأويل وصححه، فإذا بان له في آخر أمره بطلانه، صرح بأنه رجع إلى مذهب السلف وهو التفويض، كما صرح بذلك أبو المعالي الجويني، فإنه كتب (الإرشاد)، وكتب (الشامل) وغيرها من الكتب على طريقة التأويل، وعلى طريقة أبي هاشم الجبائي من المعتزلة،
ثم في آخر أمره رجع عن طريق التأويل وغلطها، ونزع إلى مذهب التفويض.
التفويض ليس له معنى، بل هو ممتنع في الحقيقة؛ فإن كل عاقل يعرف لسان العرب إذا قرأ قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:١]، عرف من هذا أن الله سبحانه موصوف بالعلو، وإذا قرأ قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥]، عرف أن الله موصوف باليدين،
وإذا قرأ قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١]، عرف أن الله متصف بالسمع والبصر، ولا يلزم من ذلك التشبيه،
فإن الله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:١١] كما هو متحقق في الشرع والعقل.
فمذهب التفويض مذهب متعذر، ولهذا قال شيخ الإسلام: (ما وقف واقف على حقيقة مذهب التفويض إلا وهو في نفس الأمر يعتقد مذهب النفاة،) قال: فإنه ما صرح بحرف التفويض إلا لما كان الظاهر عنده ممتنعاً، فصار هذا التفويض من الألفاظ التي لا معنى تحتها، فهذا قول متناقض في العقل، ولهذا ترى أن أساطين المعتزلة، ومتقدمي المتكلمين -وهم أدرى بالأصول العقلية ومسالكها- لم يستعملوا هذه الطريقة.
وعليه فعبارات أبي جعفر الطحاوي رحمه الله لا بأس بها، فتُفسر على وجه صحيح، ولكن ينتبه لمثل هذا الإطلاق الذي يطلقه كثير من المتأخرين وينسبونه إلى السلف ويريدون به معنى باطلاً، وهو في نفس الأمر كلام مجمل يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً.