في رحاب قوله تعالى: [واستعينوا بالصبر والصلاة]

إنضم
03/01/2021
المشاركات
908
مستوى التفاعل
4
النقاط
38
العمر
59
الإقامة
مصر


530860403.gif



بعد أن توجَّه الخطاب القرآني إلى بني إسرائيل - والعلماء منهم خاصة - بالترهيب والإنكار والتوبيخ على ما كان منهم؛ انتقل إلى أسلوب الترغيب والتحفيز، فجاء الأمر بالاستعانة بالصبـر، إذ به ملاك الهدى والسداد؛ وجاء الأمر بالاستعانة بالصلاة، إذ بها الفلاح والرشاد.

وبيان ذلك: أن مما يصد الناس عن اتباع الدين القويم إلفهم بأحوالهم القديمة، وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها، فإذا تخلَّقوا بأخلاق الصبر سهل عليهم اتباع الحق، ومفارقة ما أَلْفَوْه من عادات جاهلية، وأعراف لا يقرها الشرع الحنيف.

ومن هنا جاء الأمر لبني إسرائيل بالاستعانة بالصبر على الوفاء بما عاهدوا الله عليه في طاعته واتباع أمره، وترك ما يميلون إليه من الرياسة وحب الدنيا، ومن ثم التسليم لأمر الله، واتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.


وحسبك بمزية الصبر أن الله جعلها سببًا من أسباب الفوز، قال تعالى:
{والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}
قال الغزالي رحمه الله: ذكر الله الصبر في القرآن في نيِّف وسبعين موضعًا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، قال سبحانه:
{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} (السجدة:24) وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} (الأعراف:137) وقال أيضًا: {إن الله مع الصابرين} (البقرة:153) والآيات كثيرة في هذا المعنى.


وأنت - قارئي الكريم - إذا تأملت وأمعنت النظر، وجدت أن أصل التدين والإيمان راجع إلى الصبر؛ فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وفيه طاعة خالق لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار؛ فإذا صار الصبر خُلُقًا لصاحبه، هان عليه كل شيء لأجل الخضوع للحق والتسليم للبرهان.


وبهذا يظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر، فإنه خُلُق يفتح أبواب النفوس لقبول الحق والخضوع له.
أما طلب الاستعانة بالصلاة، فهي فضلاً عن كونها شكرًا للمنعم وخضوعًا لأمره، فإن فيها صبراً من جهات عدة؛ إذ فيها مخالفة حال المرء المعتادة، ولزومه حالة في وقت معين، وفيها تجلية الأحزان وكشف الكربات؛ وقد صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه
(كان إذا حَزَبه أمر صلى) رواه أبو داود و أحمد، أَي: إذا نزل به أمر مُهِمّ، أَو أَصابَه غمّ وهمٌّ واشتد عليه بادر إلى الصلاة؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: (أرحنا بها يا بلال) رواه أبو داود و أحمد، وهذا أمر يلمسه من تحرَّاه وقصده من المصلين، ويكفيك في ذلك قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ففي الصلاة أكبر العون على الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد.


ثم إن الآية التي بين يديك، نظير قوله تعالى مخاطبًا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده:
{فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} (طـه:130) فأَمَرَ سبحانه نبيه في نوائبه كافة بالفزع إلى الصبر والصلاة، إذ بهما العون والثبات وكشف الهموم والكربات.


والضمير في قوله تعالى:
{وإنها لكبيرة} راجع - على أرجح الأقوال - إلى جميع المأمورات والوصايا السابقة التي خوطب بها بني إسرائيل.

والمراد (بالكبيرة) هنا الصعبة التي تشق على النفوس؛ وإطلاق (الكِبَرُ)على الأمر الصعب والشاق أمر معهود في كلام العرب؛ لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير، قال تعالى:
{وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} (البقرة:143) وقال سبحانه: {وإن كان كَبُرَ عليك إعراضهم} (الأنعام:35).


وقوله تعالى:
{إلا على الخاشعين} الخاشع هنا هو من ذلل نفسه وضبط شهوتها بضوابط الشرع الحنيف، فتصبح النفس حينئذ مطاوعة لأمر الله، راغبة في أمره وراهبة من نهيه، وهذا الوصف في الآية يشبه ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه) رواه الترمذي و أحمد ؛ والمعنى على ما تقدم: أن الاستعانة بالصبر والصلاة ليس بالأمر اليسير على الأنفس، بل هو خاص بالنفوس الخاضعة لطاعته سبحانه، والمصدقة بوعده، والخائفة من وعيده.


على إن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل وتهديدهم، بيد أن خطابها ليس خاصًا بهم وحدهم فحسب، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول أهل العلم، يُنبئك بهذا قوله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} (البقرة:153) وعلى هذا فإننا اليوم - نحن المسلمين - أولى الناس بوعي هذا الخطاب القرآني، والعمل به، خاصة بعد ما آل أمر الأمة إلى ما لا يخفى.

نسأل الله التوفيق والعون والفرج والخاتمة بالحسنى.

· المصدر:
موقع الشبكة الإسلامية


1501855fawz0lyoh5.gif





 



أقسامُ الصَّبرِ

ينقَسِمُ الصَّبرُ بعِدَّةِ اعتِباراتٍ:


- فباعتِبارِ مَحَلِّه ينقَسِمُ إلى ضَربَينِ:
(ضَربٌ بَدَنيٌّ، وضَربٌ نَفسانيٌّ، وكُلٌّ مِنهما نَوعانِ: اختياريٌّ واضطِراريٌّ، فهذه أربَعةُ أقسامٍ:

الأوَّلُ: البَدَنيُّ الاختياريُّ: كتَعاطي الأعمالِ الشَّاقَّةِ على البَدَنِ اختيارًا وإرادةً.

الثَّاني: البَدَنيُّ الاضطِراريُّ: كالصَّبرِ على ألمِ الضَّربِ والمَرَضِ والجِراحاتِ، والبَردِ والحَرِّ وغَيرِ ذلك.

الثَّالثُ: النَّفسانيُّ الاختياريُّ: كصَبرِ النَّفسِ عن فِعلِ ما لا يحسُنُ فِعلُه شَرعًا ولا عَقلًا.

الرَّابعُ: النَّفسانيُّ الاضطِراريُّ: كصَبرِ النَّفسِ عن مَحبوبها قَهرًا إذا حيلَ بَينَها وبَينَه.

فإذا عَرَفتَ هذه الأقسامِ فهي مُختَصَّةٌ بنَوعِ الإنسانِ دونَ البَهائِمِ، ومُشاركةٌ للبَهائِمِ في نَوعَينِ مِنها، وهما: صَبرُ البَدَنِ والنَّفسِ الاضطراريَّانِ، وقد يكونُ بَعضُها أقوى صَبرًا مِنَ الإنسانِ، وإنَّما يتَمَيَّزُ الإنسانُ عنها بالنَّوعَينِ الاختياريَّينِ، وكثيرٌ مِنَ النَّاسِ تَكونُ قوَّةُ صَبرِه في النَّوعِ الذي يُشارِكُ فيه البَهائِمَ، لا في النَّوعِ الذي يخُصُّ الإنسانَ، فيُعَدُّ صابرًا وليسَ مِنَ الصَّابرينَ... فالإنسانُ مِنَّا إذا غَلبَ صَبرُه باعِثَ الهَوى والشَّهوةِ التَحَقَ بالمَلائِكةِ، وإن غَلبَ باعِثُ الهَوى والشَّهوةِ صَبرَه التَحَقَ بالشَّياطينِ، وإن غَلبَ باعِثُ طَبعِه مِنَ الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ صَبرَه التَحَقَ بالبَهائِمِ. قال قتادةُ: خَلقَ اللهُ سُبحانَه المَلائِكةَ عُقولًا بلا شَهَواتٍ، وخَلق البَهائِمَ شَهَواتٍ بلا عُقولٍ، وخَلق الإنسانَ وجَعل له عَقلًا وشَهوةً؛ فمَن غَلبَ عَقلُه شَهوتَه فهو مِنَ المَلائِكةِ، ومَن غَلبَت شَهوتُه عَقلَه فهو كالبَهائِمِ، ولَمَّا خُلقَ الإنسانُ في ابتِداءِ أمرِه ناقِصًا، لم يُخلَقْ فيه إلَّا شَهوةُ الغِذاءِ الذي هو مُحتاجٌ إليه، فصَبرُه في هذه الحالِ بمَنزِلةِ صَبرِ البَهائِمِ، وليسَ له قَبل تَمييزِه قوَّةُ الاختيارِ، فإذا ظَهَرَت فيه شَهوةُ اللَّعِبِ استَعَدَّ لقوَّةِ الصَّبرِ الاختياريِّ على ضَعفِها فيه، فإذا تَعَلَّقت به شَهوةُ النِّكاحِ ظَهَرَت فيه قوَّةُ الصَّبرِ، وإذا تَحَرَّك سُلطانُ العَقلِ وقَويَ استَعانَ بجَيشِ الصَّبرِ) .



- وباعتِبارِ مُتَعَلِّقِه ينقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ:

(صَبرٌ على الأوامِرِ والطَّاعاتِ حتَّى يُؤَدِّيَها، وصَبرٌ عنِ المَناهي والمُخالفاتِ حتَّى لا يقَعَ فيها، وصَبرٌ على الأقدارِ والأقضيةِ حتَّى لا يتَسَخَّطَها...
فأمَّا الذي مِن جِهةِ الرَّبِّ فهو أنَّ اللهَ تعالى له على عَبدِه حُكمانِ: حُكمٌ شَرعيٌّ دينيٌّ، وحُكمٌ كونيٌّ قدَريٌّ؛ فالشَّرعيُّ مُتَعَلِّقٌ بأمرِه، والكونيُّ مُتَعَلِّقٌ بخَلقِه، وهو سُبحانُه له الخَلقُ والأمرُ، وحُكمُه الدِّينيُّ الطَّلبيُّ نَوعانِ بحَسبِ المَطلوبِ؛ فإنَّ المَطلوبَ إن كان مَحبوبًا له فالمَطلوبُ فِعلُه إمَّا واجِبًا وإمَّا مُستَحَبًّا، ولا يتِمُّ ذلك إلَّا بالصَّبرِ، وإن كان مَبغوضًا له فالمَطلوبُ تَركُه إمَّا تَحريمًا وإمَّا كراهةً، وذلك أيضًا مَوقوفٌ على الصَّبرِ، فهذا حُكمُه الدِّينيُّ الشَّرعيُّ، وأمَّا حُكمُه الكونيُّ فهو ما يقضيه ويُقدِّرُه على العَبدِ مِنَ المَصائِبِ التي لا صُنعَ له فيها، ففرضُه الصَّبرُ عليها، وفي وُجوبِ الرِّضا بها قَولانِ للعُلماءِ، وهما وجهانِ في مَذهَبِ أحمَدَ، أصَحُّهما أنَّه مُستَحَبٌّ، فمَرجِعُ الدِّينِ كُلِّه إلى هذه القَواعِدِ الثَّلاثِ: فِعلُ المَأمورِ، وتَركُ المَحظورِ، والصَّبرُ على المَقدورِ، وأمَّا الذي مِن جِهةِ العَبدِ فإنَّه لا ينفكُّ عن هذه الثَّلاثِ ما دامَ مُكلَّفًا، ولا تَسقُطُ عنه هذه الثَّلاثُ حتَّى يسقُطَ عنه التَّكليفُ، فقيامُ عُبوديَّةِ الأمرِ والنَّهيِ والقدَرِ على ساقِ الصَّبرِ، ولا تَستَوي إلَّا عليه كما لا تَستَوي السُّنبُلةُ إلَّا على ساقِها، فالصَّبرُ مُتَعَلِّقٌ بالمَأمورِ والمَحظورِ والمَقدورِ بالخَلقِ والأمرِ) .


- وباعتِبارِ تَعَلُّقِ الأحكامِ الخَمسةِ به ينقَسِمُ إلى خَمسةِ أقسامٍ:
(إلى واجِبٍ ومَندوبٍ ومَحظورٍ ومَكروهٍ ومُباحٍ.
فالصَّبرُ الواجِبُ ثَلاثةُ أنواعٍ:
أحدُها: الصَّبرُ عنِ المُحَرَّماتِ.
والثَّاني: الصَّبرُ على أداءِ الواجِباتِ.
والثَّالثُ: الصَّبر على المَصائِبِ التي لا صُنعَ للعَبدِ فيها، كالأمراضِ والفقرِ وغَيرِها.
وأمَّا الصَّبرُ المَندوبُ: فهو الصَّبرُ عنِ المَكروهاتِ، والصَّبرُ على المُستَحبَّاتِ، والصَّبرُ على مُقابلةِ الجاني بمِثلِ فِعلِه.
وأمَّا المَحظورُ فأنواعٌ: أحدُها: الصَّبرُ عنِ الطَّعامِ والشَّرابِ حتَّى يموتَ، وكذلك الصَّبرُ عنِ الميتةِ والدَّمِ ولحمِ الخِنزيرِ عِندَ المَخمَصةِ حَرامٌ إذا خاف بتَركِه المَوتَ؛ قال طاوُسٌ وبعدَه أحمَدُ: مَن اضطُرَّ إلى أكلِ المَيتةِ والدَّمِ فلم يأكُلْ فماتَ، دَخل النَّارَ...
ومِنَ الصَّبرِ المَحظورِ: صَبرُ الإنسانِ على ما يقصِدُ هَلاكَه مِن سُبعٍ أو حَيَّاتٍ أو حَريقٍ أو ماءٍ، أو كافِرٍ يُريدُ قَتلَه، بخِلافِ استِسلامِه وصَبرِه في الفِتنةِ وقِتالِ المُسلمينَ؛ فإنَّه مُباحٌ له، بَل يُستَحَبُّ، كما دَلَّت عليه النُّصوصُ الكثيرةُ.
وقد سُئِل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن هذه المَسألةِ بعَينِها فقال: ((فليكُنْ كخَيرِ ابنَي آدَمَ) ) . وفي لفظٍ: ((... وليكُنْ عَبدَ اللهِ المَقتولَ، ولا يكُنْ عَبدَ اللهِ القاتِلَ)) ...







وأمَّا الصَّبرُ المَكروهُ فله أمثِلةٌ:
أحَدُها: أن يصبرَ عنِ الطَّعامِ والشَّرابِ واللُّبسِ وجِماعِ أهلِه حتَّى يتَضَرَّرَ بذلك بَدَنُه.
الثَّاني: صَبرُه عن جِماعِ زَوجَتِه إذا احتاجَت إلى ذلك ولم يتَضَرَّرْ به.
الثَّالثُ: صَبرُه على المَكروهِ.
الرَّابعُ: صَبرُه عن فِعلِ المُستَحَبِّ.
وأمَّا الصَّبرُ المُباحُ: فهو الصَّبرُ عن كُلِّ فِعلٍ مُستَوي الطَّرَفينِ، خُيِّر بَينَ فِعلِه وتَركِه والصَّبرِ عليه) .
ومِن جِهةٍ أُخرى ينقَسِمُ الصَّبرُ مِن حَيثُ المَدحُ والذَّمُّ إلى قِسمَينِ:


قِسمٌ مَذمومٌ، وقِسمٌ مَمدوحٌ:
فالمَذمومُ:

الصَّبرُ عنِ اللهِ وإرادتِه ومَحَبَّتِه وسَيرِ القَلبِ إليه، فإنَّ هذا الصَّبرَ يتَضَمَّنُ تَعطيلَ كمالِ العَبدِ بالكُلِّيَّةِ وتَفويتَ ما خُلقَ له، وهذا كما أنَّه أقبَحُ الصَّبرِ فهو أعظَمُه وأبلغُه؛ فإنَّه لا صَبرَ أبلغُ مِن صَبرِ مَن يصبرُ عن مَحبوبِه الذي لا حَياةَ له بدونِه البَتَّةَ.


وأمَّا الصَّبرُ المَحمودُ فنَوعانِ:
صَبرٌ للهِ، وصَبرٌ باللهِ؛ قال اللهُ تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127] ، وقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: 48]... وزادَ بَعضُهم قِسمًا ثالثًا مِن أقسامِ الصَّبرِ، وهو الصَّبرُ مَعَ اللهِ، وجَعَلوه أعلى أنواعِ الصَّبرِ) .

قال ابنُ القَيِّمِ: (وأمَّا الصَّبرُ على اللهِ سُبحانَه فهو الصَّبرُ على أحكامِه الدِّينيَّةِ والكونيَّةِ، فهو يرجِعُ إلى الصَّبرِ على أوامِرِه والصَّبرِ على ابتِلائِه، فليسَ في الحَقيقة قِسمًا ثالثًا، واللهُ أعلمُ) .
(وزادَ بَعضُهم قِسمًا آخَرَ مِن أقسامِه، وسَمَّاه الصَّبرَ فيه، وهذا أيضًا غَيرُ خارِجٍ عن أقسامِ الصَّبرِ المَذكورةِ، ولا يُعقَلُ مِنَ الصَّبرِ فيه مَعنًى غَيرُ الصَّبرِ له) .





وقَسَّمَ الماوَرديُّ الصَّبرَ المَحمودَ إلى سِتَّةِ أقسامٍ، فقال:
(واعلَمْ أنَّ الصَّبرَ على سِتَّةِ أقسامٍ، وهو في كُلِّ قِسمٍ مِنها مَحمودٌ:
فأوَّلُ أقسامِه وأَولاها: الصَّبرُ على امتِثالِ ما أمَرَ اللهُ تعالى به، والانتِهاءُ عَمَّا نَهى اللهُ عنه؛ لأنَّ به تَخلُصُ الطَّاعةُ، وبها يصِحُّ الدِّينُ، وتُؤَدَّى الفُروضُ، ويُستَحَقُّ الثَّوابُ، كما قال في مُحكمِ الكِتابِ: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] ... وليس لمَن قَلَّ صَبرُه على طاعةٍ حَظٌّ مِن بِرٍّ ولا نَصيبٌ مِن صَلاحٍ...
وهذا النَّوعُ مِنَ الصَّبرِ إنَّما يكونُ لفرطِ الجَزَعِ وشِدَّةِ الخَوفِ؛ فإنَّ مَن خاف اللهَ عَزَّ وجَل صَبَرَ على طاعَتِه، ومَن جَزِعَ مِن عِقابِه وقَف عِندَ أوامِرِه.

الثَّاني: الصَّبرُ على ما تَقتَضيه أوقاتُه مِن رَزيَّةٍ قد أجهَده الحُزنُ عليها، أو حادِثةٍ قد كدَّه الهَمُّ بها؛ فإنَّ الصَّبرَ عليها يَعقُبُه الرَّاحةُ مِنها، ويكسِبُه المَثوبةَ عنها، فإن صَبر طائِعًا وإلَّا احتَمَل هَمًّا لازِمًا، وصَبَرَ كارِهًا آثِمًا.
وقال عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه للأشعَثِ بنِ قَيسٍ: (إنَّك إن صَبَرتَ جَرى عَليك القَلمُ وأنت مَأجورٌ، وإن جَزِعتَ جَرى عَليك القَلمُ وأنت مَأزورٌ)...

الثَّالثُ: الصَّبرُ على ما فاتَ إدراكُه مِن رَغبةٍ مَرجوَّةٍ، وأعوزَ نَيلُه مِن مَسَرَّةٍ مَأمولةٍ؛ فإنَّ الصَّبرَ عنها يُعقِبُ السُّلُوَّ مِنها، والأسَفُ بَعدَ اليأسِ خُرقٌ...
وقال بَعضُ الحُكماءِ: اجعَلْ ما طَلبتَه مِنَ الدُّنيا فلم تَنَلْه مِثلَ ما لا يخطُرُ ببالِك فلم تَقُلْه.

الرَّابعُ: الصَّبرُ فيما يُخشى حُدوثُه مِن رَهبةٍ يخافُها، أو يَحذَرُ حُلولَه مِن نَكبةٍ يخشاها، فلا يتَعَجَّلُ همَّ ما لم يأتِ؛ فإنَّ أكثَرَ الهمومِ كاذِبةٌ، وإنَّ الأغلبَ مِنَ الخَوفِ مَدفوعٌ...
وقال الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَه اللهُ: لا تَحمِلنَّ على يومِك همَّ غَدِك؛ فحَسبُ كُلِّ يومٍ هَمُّه.

الخامِسُ: الصَّبرُ فيما يتَوقَّعُه مِن رَغبةٍ يرجوها، وينتَظِرُ مِن نِعمةٍ يأمُلُها؛ فإنَّه إن أدهَشَه التَّوقُّعُ لها، وأذهَله التَّطَلُّعُ إليها انسَدَّت عليه سُبُلُ المطالبِ، واستَفزَّه تَسويلُ المَطامِعِ، فكان أبعَدَ لرَجائِه، وأعظَم لبَلائِه.
وإذا كان مَعَ الرَّغبةِ وَقورًا، وعِندَ الطَّلبِ صَبورًا، انجَلت عنه عَمايةُ الدَّهَشِ، وانجابَت عنه حَيرةُ الوَلَهِ، فأبصَرَ رُشدَه وعَرَف قَصدَه. وقد رويَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((والصَّبرُ ضِياءٌ)) . يعني -واللهُ أعلمُ- أنَّه يكشِفُ ظُلَمَ الحَيرةِ، ويوضِّحُ حَقائِقَ الأُمورِ.

السَّادِسُ: الصَّبرُ على ما نَزَل مِن مَكروهٍ، أو حَلَّ مِن أمرٍ مخوفٍ.
فبالصَّبرِ في هذا تَنفتِحُ وُجوهُ الآراءِ، وتُستَدفعُ مكائدُ الأعداءِ؛ فإنَّ مَن قَلَّ صَبرُه عَزَبَ رَأيُه، واشتَدَّ جَزَعُه، فصارَ صَريعَ همومِه، وفريسةَ غُمومِه. وقد قال اللهُ تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: 17]...
واعلَمْ أنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبرِ، والفرَجَ مَعَ الكربِ، واليُسرَ مَعَ العُسرِ) .

الدرر السنية


 
عودة
أعلى