د علي الأزهري
New member
الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة
للعلامة
محمد بن سليمان الكافيجي
عرض وتقويم
بقلم
الدكتور
علي رمضان الأزهري
عضو هيئة تدريس بجامعة الأزهر
للعلامة
محمد بن سليمان الكافيجي
عرض وتقويم
بقلم
الدكتور
علي رمضان الأزهري
عضو هيئة تدريس بجامعة الأزهر
لقد اهتم كتاب (الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة) للعلامة محمد بن سليمان الكافيجي بتفسير سورة الفاتحة، وهذه المقالة تعرف بالكتاب وتعرض لمحتوياته، وطرح بعض الملاحظات حوله.
تمهيد:
سورة الفاتحة من سور القرآن المركزية التي يقرأها المسلم في كل صلواته؛ لذا فمن الأهمية بمكان أن يتعرف المسلم عليها عن قرب، ويتعرف على موقعها من كتاب الله تعالى، وأسمائها، ومعاني كلماتها، وأهم هداياتها والمقاصد التي اشتملت عليها، ومن هنا فقد كثرت المصنفات حولها، ومن هذه الدراسات كتاب « الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة» للعلامة الشيخ محمد بن سليمان الكافيجي، والذي لم ينل حظه من التعريف اللائق به فأحببت أن أسلط الضوء علىه، ليفيد منه طلاب العلم في كل مكان.
أولاً: كتاب الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة عرض وبيان:
- بيانات الكتاب:
كتاب « الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة» لمصنفه العلامة محمد بن سليمان الكافيجي ت: 879هـ شيخ الإمام السيوطي، طبعته دار الإحسان للنشر والتوزيع بالقاهرة بتحقيق الدكتور علي رمضان الأزهري سنة 2018م.
- هدف الكتاب:
صنف العلامة الكافيجي كتابه لتفسير سورة الفاتحة، ليتعرف الناس على أسمائها، ومعاني كلماتها، وأهم الوجوه البلاغية والإعرابية التي اشتملت عليها، وبعض القضايا الفقهية والعقدية المتعلقة بها، كما عرض الشيخ لبعض الأقوال التي أوردها المفسرون وعرض لها بالنقد والتحليل.
- منهج الكتاب:
يعد كتاب الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة للعلامة الكافيجي من التفسير الأثرى النظرى ، والذى جمع فيه صاحبه بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأى ، وهو بذلك يترسم خطى من سبقه من علماء التفسير، الذين جمعوا في كتبهم بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأى – وإن كان يغلب عليها التفسير بالمأثور كما هنا – كتفسير شيخ المفسرين العلامة ابن جرير الطبرى " جامع البيان في تفسير القرآن "، وتفسير ابن كثير" تفسير القرآن العظيم " من علماء المشرق في التفسي، وكتفسير ابن عطية " المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز "، وتفسير ابن جزى " التسهيل في علوم التنزيل " من علماء المغرب في التفسير.
فقد اعتمد التفسير بالمأثور من تفسير القرآن بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، والتفسير بالرأي من بيان معاني المفردات، والإعراب، واستعان بالشعر والأمثال، وعرض لبعض القصايا الفقهية في مواضعها من السورة، وتناول بعض القصايا العقدية كقصية خلق أفعال العباد.
- محتويات الكتاب:
1– بدأ كتابه بالحديث عن التفسير ومكانته بين العلوم الإسلامية .
2– ذكر طريقته في تفسير سورة الفاتحة بإيجاز وأنها تشمل بيان معانى المفردات واللغة والإعراب ، والمناسبة والبلاغة ، وبيان الأحكام الشرعية المستنبطة من الآيات ، مع ذكر الأدلة لكل ما يورده ، والحق أن العلامة الكافيجي – رحمه الله - وفي بكل ما ذكره .
3– أهدى كتابه للخزانة الظاهرية راجيا من الله الولي القادر أن يلهم السلطان (الأشرف قايتباى) أن يتقبل إهداءه للكتاب وأن ينال إعجابه ، وهذه عادة العلماء في وقته.
4– ثم يبدأ حديثه عن سورة الفاتحة بحديثه عن مناسبة نزول الفاتحة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنها بدئت بالحمد ليكون الحمد متعددا للنبي صلى الله عليه وسلم.
5– يذكر أسماء سورة الفاتحة وسبب تسميتها ، فيذكر أحد عشر اسماً من أسمائها ، ( الفاتحة ، أم القرآن ، الأساس ، الكنز ، الوافية ، الكافية ، سورة الحمد ، الدعاء ، تعليم المسألة ، الشفاء ، السبع المثانى ).
6– يعرض لعدد آيات سورة الفاتحة ويذكر أنها سبع آيات باتفاق ، وأن الخلاف في البسملة فمنهم من عدها آية ، ومنهم من عد﴿ أنعمت عليهم ﴾ آية .
7– نزول سورة الفاتحة:
يذكر الشيخ أقوال العلماء في نزولها وأنها ثلاثة :
الأول : أنها نزلت بمكة ، وهذا رأى جمهور العلماء واختاره الكافيجي واستدل له ودافع عنه .
الثانى : أنها نزلت بالمدينة ، وقد تفرد به مجاهد .
الثالث : أنها نزلت مرتين ، مرة بمكة ومرة بالمدينة ، وذلك دليل شرفها .
8– فضل سورة الفاتحة :
يمهد العلامة الكافيجي لحديثه عن فضل الفاتحة ، بأن تفاضل القرآن بعضه على بعض بالعرض وليس بالذات، لأن الجميع كلام الله تعالى، وأنها أفضل من غيرها لانقسامها بين الله تعالى وبين عبده، ثم يسوق جملة من الأحاديث والآثار التي تدلل على فضل سورة الفاتحة .
9– الحديث عن البسملة ونزولها ومعانى ألفاظها وفضلها وحكمها وحكم كتابتها في أول كتب العلم: يذكر الكافيجي الأقوال الواردة في نزول البسملة، وأن من العلماء من قال بنزولها بعد سورة اقرأ، ودليل ذلك حديث بدء الوحى ، ومنهم من قال بأنها أول ما نزل من القرآن ، وجمع بينهما الواحدي بأنها أول آية نزلت ، وسورة اقرأ أول سورة أنزلت، وأن الحكمة من نزول البسملة الفصل بين سور القرآن، وساق الأدلة على ذلك .
ثم يسوق العلامة الكافيجي معانى مفردات البسملة ، ( بسم ، الله ، الرحمن الرحيم ) وأقوال علماء اللغة في كونها جامدة أو مشتقة مع عرض هذه الأقوال بأسلوب مختصر يدل على تمكن واقتدار .
وفي إطار حديثه عن البسملة يسوق الشيخ جملة من الأحاديث والآثار في فضل البسملة، ويذكر أقوال الفقهاء في كونها آية من القرآن ومن الفاتحة أم لا، مع عرضه لأدلة كل فريق ورد الفريق الآخر عليه، ويضيف لما سبق الحديث عن حكم كتابة الفاتحة أول كتب العلم ودواوين الشعر وأقوال العلماء في ذلك.
10– يبدأ العلامة الكافيجي تفسير سورة الفاتحة متبعاً في ذلك الطريقة الآتية:
أولاً : اللغة :
ويتناول تحت هذا العنوان المفردات من الناحية اللغوية ( معانى – اشتقاق – بيان موقعها من الإعراب ) ، ومن الألفاظ التي تناولها على سبيل المثال :
" الحمد " و " الرب " و " العالمين " و " ملك " و " يوم الدين " ، و " العبادة و الاستعانة " ، و " الهداية " و " الصراط المستقيم " ، و " النعمة " و " الغضب " و " الضلال " .
ثانياً : الإعراب :
وقد عرض لإعراب ألفاظ ﴿ الحمد لله ﴾ ، و ﴿ يوم الدين ﴾ ، و ﴿ صراط الذين ﴾ ، و﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ و " لا " في قوله تعالى ﴿ ولا الضالين ﴾ .
ثالثاً: القراءات:
وقد عرض الشيخ – رحمه الله تعالى – للقراءات الواردة في بعض مفردات الفاتحة.
ومن هذه المفردات : ﴿ الحمد لله ﴾ ، و ﴿ رب العالمين ﴾ ، و ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ، و﴿ مالك يوم الدين ﴾ ، و﴿ الصراط المستقيم ﴾ ، و﴿ عليهم ﴾ ، و ﴿ الضالين ﴾ .
رابعاً : المناسبة:
وقد بين فيها مناسبة ألفاظ وآيات السورة الكريمة بعضها لبعض، بأسلوب سهل موجز، وذلك يدركه من يطالع كلام الشيخ تحت هذا العنوان.
خامساً: البيان:
وقد ذكراً عدداً من الوجوه البلاغية التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، من نحو براعة الاستهلال والتخصيص ، والالتفات وتعديد الصفات والسجع .
سادساً: المعنى
أورد العلامة الكافيجي تحت هذا العنوان عدداً من الألفاظ مبيناً المراد منها، ومن هذه الألفاظ: قوله تعالى : ﴿ الحمد لله ﴾ والفرق بينه وبين الشكر ، مرجحاً أن هناك فرقاً بينه وبين الشكر ، مستدلاً على ذلك بالقرآن والسنة والشعر وأقوال العلماء .
وقوله تعالى: ﴿ رب العالمين ﴾ وأقوال العلماء الواردة فيه ، وقوله :﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ، وقوله: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ، وقوله : ﴿ الصراط المستقيم ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .
سابعاً: الحكم
وقد ناقش تحت هذا العنوان الأحكام الشرعية المتعلقة بسورة الفاتحة مثل الاختلاف في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ، وذكر أقوال الفقهاء ودليل كل منهم بإيجاز .
الخاتمة: وقد خصص العلامة الكافيجي هذا العنوان للحديث عن كلمة ( آمين ) وفضلها واللغات الواردة فيها ومعناها وحكمها وبيان موضعها ، وأقوال العلماء فيها من حيث الجهر والإسرار بها .
وفي نهاية الكتاب يختم الشيخ كتابه بالحمد والشكر لله تعالى على عظيم نعمائه ، والدعاء لنفسه وللمسلمين بالمعافاة من صروف الزمان وبلائه ، والدعاء للسلطان الملك الظاهر خشقدم، بأن يعامله الله بألطافه ، ويلهمه أن يبذل فضل عدله وإنصافه للمستحقين من رعيته، والتوفيق لطاعة الله ورسوله وطاعته .
ويختم بالصلاة والسلام على سيد الخلق صاحب الخلق العظيم ، والفضل العميم ، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان .
ويختم المخطوط بقوله: «تم بحمد الله وعونه».
وهذا دليل على كمال المخطوط وتمامه، وأن هذا هو نهاية تفسير الشيخ لسورة الفاتحة .
ثانياً: كتاب (الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة) نقد وتقويم:
أولاً: أبرز مميزات الكتاب:
- يعد كتاب «الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة» إضافة مهمة للمكتبة الإسلامية بعامة، ومكتبة التفسير وعلوم القرآن بخاصة.
- وهو يبرز جانبا مهما من إسهامات العلامة الكافيجي العلمية وخاصة في الدراسات القرآنية، حيث لم ينشر له إلى الآن إلا القليل، وعند المقارنة بين الأسس التي أرساها الكافيجي في كتابه «التيسير في قواعد التفسير» وبين هذا الكتاب نجد أنه قد وفَّى بكثير مما أورده في كتابه «قواعد التفسير».
- كما تظهر شخصية العلامة الكافيجي وحضوره البارز في الكتاب من أوله إلى آخره، وخاصة في نقوله وتعقيباته واستدراكاته على غيره من العلماء في التفسير وعلوم القرآن واللغة والفقه وغيرها.
- سعة علم الشيخ واطلاعه على الكثير من العلوم التي مكنته من تعقب الأقوال محل النقد.
- سهولة العبارة ووضوح الأسلوب: فالكتاب يناسب المتخصص وغير المتخصص في التفسير وعلوم القرآن حيث جاءت عبارتُه سهلةً وأسلوبُه واضحاً لا تعقيد فيه ولا التواء.
- التوفيق في اختيار الموضوع والنقول والتعقبات والاختيارات في الأقوال التي عرض لها الشيخ بالبحث والدراسة أثناء تفسيره(<a href="#_ftn1" name="_ftnref1" title="">[1]</a>).
وفي الختام نقول: إن الهدف من هذه المقالة عرض كتاب« الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة » لشيخنا العلّامة محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومى المعروف بالكافيجي المتوفي 873 هـ، وهو كتاب قيِّم يعد إضافة للمكتبة الإسلامية في التفسير وعلوم القرآن، قمتُ بعرضه وتقويمه والتنبيه على أهميته، ولفت الانتباه إلى العناية به ومراجعته وتبيين الأُسس والأصول التي اعتمد عليها الشيخ الكافيجي-رحمه الله- في التفسير وعلوم القرآن، وفي الختام، اللهَ تعالى أسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا السداد والتوفيق في القول والعمل، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
([1]) راجع إن شئت بحثي بعنوان: «من ترجيحات الكافيجي في التفسير في كتاب الغرة الواضحة في تفسير الفاتحة».