كثيرًا ما نُدعى لمناسبات مختلفة ومتعددة، فتسودنا الحيرة في الهَدِيَّة: نوعها، وثمنها، وهل ستناسب صاحبها أم لا؟ بل هل ستنال إعجابه؟ وكثيرًا ما يحدث أن صاحب المناسبة الذي تكلف عليها مبالغ طائلة، وانتظر الهدايا القيمة جزاءَ تعبِهِ - يفاجأ ببعض الهدايا الخفيفة والقليلة، ومن ثَمَّ يبدأ بالشكوى من أحد الحاضرين أنه أتى ويدُهُ فارغة تمامًا، أو ذاك الذي لم يأتِ أبدًا، ولم يكلف خاطره للاتصال أو الاعتذار برسالةٍ على الواتس.
وتفكير طويل وعميق من الطبيعي أن يجرَّ سلسلة من الأحاديث عن تصرفات الشخص المستهدف التي مر عليها سنوات.
وفي الجهة المقابلة تسمع من إحداهن شكوى من إحدى الصديقات التي لم تدعُها لمنزلها أبدًا، وأخرى حضَرتْ مأدبة غداء ولم تكلِّف نفسَها رفعَ كأسِ الماء الذي أمامها، والثالثة أصرت على عدم دعوة صديقتها لمجرد أنها لم تدعها لحفلتها التي مر عليها سنة! والكثير والكثير من المواقف المشابهة التي لا تنتهي، ولا تكف النساء عن الحديث عنها والتذمر منها.
وننسى أن إحداهن لم تحضُر؛ لأن زوجها لم يسمح لها مثلًا أو أن ابنها مريض، والتي لم تُحضِر هدية ربما ليس باستطاعتها شراء هدية ثمينة، أو اشترت هدية معنوية لم تكلفها الكثير فقط لتشارك صديقتها فرحتها، وأتت كي تُسعِدَ صاحبة المناسبة وتنسى أعباء الحياة.
وتلك التي لم تُزِحْ كأس الماء من أمامها ربما تشعر بإرهاق في يومها أو صداع يلازم رأسها.
والأخيرة التي لم تدعُكِ لحفلتها لربما نستْ دعوتكِ في زحمة الوقت.
ماذا لو غيرنا طريقة تفكيرنا وأسلوب حياتنا؟ ماذا لو صنعنا المعروف ولم ننتظر المقابل؟ ماذا لو ألغينا العتاب من قاموسنا؟
لو جعلنا بذور العلاقة تنمو بشكلها الطبيعي والسليم؟
لو عمِلنا على تهذيب سلوكياتنا أولًا قبل أن نجدِّف بقوارب الآخرين؟
لو قمنا بزيارة صديق دون انتظار ردِّ الزيارة؟
لو أهديناه مرة واثنتين وعشر حتى ولو لم يردَّ الهدية ولو بكلمة؟
لو ساعدنا الآخرين قبل أن يساعدونا، ولو صنعنا المعروف قبل أن يصنعوه هم؟
لو اصطنعنا الأعذار لهم، وكَفَفْنا عن معاتبتهم التي لا تغنينا شيئًا سوى أنها تزيد من فجوة العلاقة وتهدمها؟
كثيرًا ما نمر بشخصيات رائعة تعطيك ولا تطلب مقابلًا، تبتسم ولا تنتظر ابتسامتك، تُقدِّر ظرفك، تعذِرك وتسامح.
كم هم مريحون ورائعون! وكم ترغب في توطيد جذور العلاقة معهم!
وكم أراحوا أنفسهم حينما أحسنوا الظن بالآخرين، وأزالوا أعباء كانت ستلتف حول قلوبهم من شدة الغيظ
ماذا ستخسر إن كنت مثلهم؟
إن أحسنتَ للناس؛ كي يحسن الله لك.
إن التمستَ العذر لأخيك.
إن أخرجتَ نفسكَ من دوامة التفكير السيئ الذي يُقحِمُكَ في جدالٍ عقيمٍ مع ذاتك.
1- عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المِسْوَرِ بنِ مَخرَمةَ ومَروانَ يُصَدِّقُ كُلُّ واحدٍ منهما حديثَ صاحِبِه، قال: ((خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمَن الحُدَيبيةِ حتَّى إذا كانوا ببَعضِ الطَّريقِ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بالغميمِ في خَيلٍ لقُرَيشٍ طليعةٌ ، فخُذوا ذاتَ اليمينِ، فواللهِ ما شَعَر بهم خالدٌ حتَّى إذا هم بقَتَرةِ الجيشِ، فانطلق يركُضُ نذيرًا لقريشٍ، وسار النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى إذا كان بالثَّنيَّةِ التي يهبِطُ عليهم منها بركَت به راحلتُه، فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ فألحَّت ، فقالوا: خلَأتِ القَصواءُ ، خلأتِ القَصواءُ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما خلأتِ القصواءُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ ، ولكن حبَسَها حابِسُ الفيلِ ...)) الحديثَ .
قال ابنُ بَطَّالٍ في فوائِدِ الحَديثِ: (فيه دَليلٌ على أنَّ الأخلاقَ المَعروفةَ مِنَ الحيَوانِ كُلُّها يُحكَمُ بها على الطَّارِئِ الشَّاذِّ مِنها، وكذلك في النَّاسِ إذا نُسِبَ إنسانٌ إلى غيرِ خَلُقِه المَعلومِ في هَفوةٍ كانت مِنه، لم يُحكَمْ بها) .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (فيه جَوازُ الحُكمِ على الشَّيءِ بما عُرِف مِن عادَتِه، وإن جازَ أن يَطرَأَ عليه غيرُه، فإذا وقَعَ مِن شَخصٍ هَفوةٌ لا يُعهَدُ مِنه مِثلُها، لا يُنسَبُ إليها، ويُرَدُّ على مَن نَسَبه إليها. ومَعذِرةُ مَن نَسَبَه إليها مِمَّن لا يَعرِفُ صورةَ حالِه؛ لأنَّ خَلاءَ القَصواءِ لولا خارِقُ العادةِ لكان ما ظَنَّه الصَّحابةُ صَحيحًا، ولم يُعاتِبْهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ذلك لعُذرِهم في ظَنِّهم) .
(فقَد أعذَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غيرَ المُكلَّفِ مِنَ الدَّوابِّ باستِصحابِ الأصلِ، ومِن قياسِ الأَولى إذا رَأينا عالِمًا عامِلًا، ثُمَّ وقَعَت مِنه هَنةٌ أو هَفوةٌ، فهو أَولى بالإعذارِ، وعَدَمِ نِسبَتِه إليها والتَّشنيعِ عليه بها؛ استِصحابًا للأصلِ، وغَمْرِ ما بَدَرَ مِنه في بَحرِ عِلمِه وفَضلِه، وإلَّا كان المُعَنِّفُ قاطِعًا للطَّريقِ، رِدءًا للنَّفسِ اللَّوَّامةِ، وسَبَبًا في حِرمانِ العالمِ مِن عِلمِه، وقد نُهينا أن يَكونَ أحَدُنا عَونًا للشَّيطانِ على أخيه) .
2- عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (بعثني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنا والزُّبَيرُ، والمقدادُ بنُ الأسوَدِ، قال: انطَلِقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ؛ فإنَّ بها ظَعينةً ، ومعها كتابٌ فخُذوه منها، فانطلَقْنا تَعادى بنا خيلُنا حتى انتَهَينا إلى الرَّوضةِ، فإذا نحن بالظَّعينةِ، فقُلْنا: أخرجي الكتابَ، فقالت: ما معي من كتابٍ، فقُلْنا: لتُخرِجِنَّ الكتابَ أو لنُلقِيَنَّ الثيابَ، فأخرجَتْه من عِقاصِها ، فأتينا به رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا فيه: مِن حاطِبِ بنِ أبي بَلتعةَ إلى أُناسٍ من المشركين مِن أهلِ مكَّةَ يخبِرُهم ببعضِ أمرِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حاطِبُ، ما هذا؟! قال: يا رَسولَ اللهِ، لا تعجَلْ عليَّ، إنِّي كنتُ امرَأً مُلصَقًا في قريشٍ، ولم أكُنْ من أنفُسِها، وكان مَن معك من المهاجِرين لهم قراباتٌ بمكَّةَ يحمون بها أهليهم وأموالَهم، فأحببتُ إذْ فاتني ذلك من النَّسَبِ فيهم أن أتخِذَ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كُفرًا ولا ارتدادًا، ولا رِضًا بالكُفرِ بعد الإسلامِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد صدَقَكم، قال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، دَعْني أضرِبْ عُنُقَ هذا المنافِقِ! قال: إنَّه قد شهد بدرًا، وما يُدريك لعلَّ اللهَ أن يكونَ قد اطَّلع على أهلِ بَدرٍ فقال: اعمَلوا ما شئتمُ، فقد غفرتُ لكم! )) .
3- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: بعث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُمَرَ على الصَّدقةِ فقيل: منَع ابنُ جَميلٍ، وخالِدُ بنُ الوليدِ، والعبَّاسُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما يَنقِمُ ابنُ جميلٍ إلَّا أنَّه كان فقيرًا فأغناه اللهُ، وأمَّا خالِدٌ فإنَّكم تَظلِمون خالِدًا، قد احتَبس أدراعَه وأعتادَه في سبيلِ اللهِ، وأمَّا العبَّاسُ فهي عَلَيَّ ومِثلُها معها، ثمَّ قال: يا عُمَرُ، أمَا شَعَرْتَ أنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيه؟!)) .
4- عن المِقدادِ بنِ الأسوَدِ رضِي اللهُ عنه قال: ((أقبلْتُ أنا وصاحِبانِ لي، وقد ذهبَت أسماعُنا وأبصارُنا مِن الجَهدِ ، فجعلْنا نعرِضُ أنفُسَنا على أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فليس أحدٌ منهم يقبَلُنا، فأتَينا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطلَق بنا إلى أهلِه، فإذا ثلاثةُ أعنُزٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: احتلِبوا هذا اللَّبنَ بَينَنا، قال: فكنَّا نحتلِبُ، فيشرَبُ كُلُّ إنسانٍ منَّا نَصيبَه، ونرفَعُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَصيبَه، قال: فيجيءُ مِن اللَّيلِ، فيُسلِّمُ تسليمًا لا يوقِظُ نائِمًا، ويُسمِعُ اليَقظانَ، قال: ثُمَّ يأتي المسجِدَ، فيُصلِّي، ثُمَّ يأتي شرابَه فيشرَبُ، فأتاني الشَّيطانُ ذاتَ ليلةٍ وقد شرِبْتُ نَصيبي، فقال: مُحمَّدٌ يأتي الأنصارَ فيُتحِفونَه ، ويُصيبُ عندَهم، ما به حاجةٌ إلى هذه الجُرعةِ، فأتَيتُها فشرِبْتُها، فلمَّا أن وغَلَت في بَطني، وعلِمْتُ أنَّه ليس إليها سبيلٌ، قال: ندَّمني الشَّيطانُ، فقال: وَيحَك، ما صنَعْتَ؟! أشرِبْتَ شرابَ مُحمَّدٍ؟! فيجيءُ فلا يجِدُه، فيدعو عليك، فتَهلِكُ، فتذهَبُ دُنياك وآخِرتُك، وعَلَيَّ شَمْلةٌ إذا وضعْتُها على قَدَمَيَّ خرَج رأسي، وإذا وضعْتُها على رأسي خرَج قَدَماي، وجعَل لا يجيئُني النَّومُ، وأمَّا صاحباي فناما، ولم يصنَعا ما صنعْتُ، قال: فجاء النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسلَّم كما كان يُسلِّمُ، ثُمَّ أتى المسجِدَ فصلَّى، ثُمَّ أتى شرابَه، فكشَف عنه، فلم يجِدْ فيه شيئًا، فرفَع رأسَه إلى السَّماءِ، فقُلتُ: الآنَ يدعو عليَّ فأهلِكُ! فقال: اللَّهمَّ أطعِمْ مَن أطعَمني، وأسْقِ مَن أسقاني، قال: فعَمَدتُ إلى الشَّملةِ فشَدَدتُها عليَّ، وأخَذتُ الشَّفرةَ فانطَلقتُ إلى الأعنُزِ أيُّها أسمَنُ، فأذبَحُها لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا هي حافِلةٌ، وإذا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهنَّ، فعَمَدتُ إلى إناءٍ لآلِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما كانوا يَطمَعونَ أن يَحتَلِبوا فيه، قال: فحَلبتُ فيه حتَّى عَلَته رِغوةٌ، فجِئتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أشرِبتُم شَرابَكُمُ اللَّيلةَ، قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، اشرَبْ، فشَرِبَ، ثُمَّ ناوَلَني، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، اشرَبْ، فشَرِبَ، ثُمَّ ناوَلَني، فلمَّا عَرَفتُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَد رَوِيَ وأصَبتُ دَعوتَه، ضَحِكتُ حتَّى أُلقيتُ إلى الأرضِ! قال: فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إحدى سَوآتِك يا مِقدادُ! فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، كان مِن أمري كذا وكذا وفعَلتُ كذا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما هذه إلَّا رَحمةٌ مِنَ اللهِ، أفلا كُنتَ آذَنْتَني فنوقِظُ صاحِبَينا فيُصيبانِ مِنها! قال: فقُلتُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ ما أُبالي إذا أصَبتَها وأصَبتُها مَعَك مَن أصابَها مِنَ النَّاسِ )) .
ب- مِنَ الآثارِ
1- كَتَب عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه إلى ابنِه مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفيَّةِ: (... مِن خيرِ حَظِّ الدُّنيا القَرينُ الصَّالحُ؛ فقارِنْ أهلَ الخيرِ تَكُنْ مِنهم، وبايِنْ أهلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنهم، ولا يَغلبَنَّ عليك سوءُ الظَّنِّ؛ فإنَّه لن يَدَعَ بينَك وبينَ خَليلٍ صُلحًا... لا تَصرِمْ أخاك على ارتيابٍ، ولا تَقطَعْه دونَ استِعتابٍ، وليس جَزاءُ مَن سَرَّك أن تَسوءَه... وخيرُ المُقالِ ما صَدَّقَته الفِعالُ، سَلْ عَنِ الرَّفيقِ قَبلَ الطَّريقِ، وعَنِ الجارِ قَبلَ الدَّارِ، واحمِلْ لصَديقِك عليك، واقبَلْ عُذرَ مَنِ اعتَذَرَ إليك، وأخِّرِ الشَّرَّ ما استَطَعتَ؛ فإنَّك إذا شِئتَ تَعَجَّلتَه. لا يكُنْ أخوك على قَطيعَتِك أقوى مِنك على صِلتِه، وعلى الإساءةِ أقوى مِنك على الإحسانِ) .
2- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (أحَبُّ إخواني إليَّ الذي إذا أتيتُه قَبِلَني، وإذا غِبتُ عَنه عَذَرَني) .
فَوائِدُ:
1- قال الماوَرْديُّ: (حُكيَ عن بنتِ عبدِ اللهِ بنِ مُطيعٍ أنَّها قالت لزَوجِها طَلحةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ الزُّهريِّ، وكان أجودَ قُريشٍ في زَمانِه: ما رَأيتُ قَومًا ألأمَ مِن إخوانِك! قال مَهْ! ولمَ ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسَرتَ لزِموك، وإذا أعسَرتَ تَرَكوك!
قال: هذا واللَّهِ مِن كرَمِهم؛ يَأتونَنا في حالِ القوَّةِ بنا عليهم، ويَترُكونَنا في حالِ الضَّعفِ بنا عَنهم.
فانظُرْ كيف تَأوَّل بكرَمِه هذا التَّأويلَ حتَّى جَعَل قَبيحَ فِعلِهم حَسَنًا، وظاهِرَ غَدرِهم وفاءً؟! وهذا مَحضُ الكرَمِ ولُبابُ الفَضلِ، وبمِثلِ هذا يَلزَمُ ذَوي الفَضلِ أن يتأوَّلوا الهَفَواتِ مِن إخوانِهم) .
2- قال أبو العَبَّاسِ بنُ قُدامةَ: (ينبغي أن تَترُكَ إساءةَ الظَّنِّ بأخيك، وأن تَحمِلَ فِعلَه على الحَسَنِ مَهما أمكنَ، وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: ((إيَّاكُم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحَديثِ )) .
واعلَمْ أنَّ سوءَ الظَّنِّ يَدعو إلى التَّجَسُّسِ المُنهيِّ عَنه، وأنَّ سَترَ العُيوبِ والتَّغافُلَ عَنها شيمةُ أهلِ الدِّينِ.
واعلَمْ أنَّه لا يَكمُلُ إيمانُ المَرءِ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفسِه، وأقَلُّ دَرَجاتِ الأخوَّةِ أن يُعامِلَ أخاه بما يُحِبُّ أن يُعامِلَه به، ولا شَكَّ أنَّك تَنتَظِرُ مِن أخيك أن يَستُرَ عَورَتَك، وأن يَسكُتَ عن مَساويك، فلو ظَهَرَ لك مِنه ضِدُّ ذلك اشتَدَّ عليك، فكيف تَنتَظِرُ مِنه ما لا تَعزِمُ عليه له؟
ومَتى التَمَستَ مِنَ الإنصافِ ما لا تَسمَحُ به، دَخَلتَ في قَولِ اللهِ تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين َ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: 1 - 3] . ومَنشَأُ التَّقصيرِ في سَترِ العَورةِ والمُغري بكَشفِها الحِقدُ والحَسَدُ.
واعلَمْ: أنَّ مِن أشَدِّ الأسبابِ لإثارةِ الحِقدِ والحَسَدِ بينَ الإخوانِ المُماراةَ، ولا يَبعَثُ عليها إلَّا إظهارُ التَّميُّزِ بزيادةِ الفَضلِ والعَقلِ، واحتِقارُ المَردودِ عليه، ومَن مارى أخاه فقَد نَسَبَه إلى الجَهلِ والحُمقِ، أو إلى الغَفلةِ والسَّهوِ عن فهمِ الشَّيءِ على ما هو عليه. وكُلُّ ذلك استِحقارٌ، وهو يوغِرُ الصَّدرَ ويوجِبُ المُعاداةَ، وهو ضِدُّ الأخوَّةِ) .