محمود عبدالله إبراهيم نجا
Member


هل التعريف العلمي للفراش يوافق الشرع، وما هي علاقة الفراش بالقيافة والبصمة الوراثية؟
إثبات النسب في الإسلام له طُرق شرعية معلومة كالفراش (زواج قائم)، والقيافة (مقارنة الشكل)، والإستلحاق (بإقرار المُستلحق)، والبينة (بشهادة العدول)، والقرعة (أضعف الطرق وتستخدم عند غياب البينة).
■ الفراش من الناحية العلمية
علمياً النسب بالفراش هو النكاح بين رجل وامرأة تلاقت أمشاجهما أثناء هذا النكاح فنشأ بينهما الولد. فإذا كان الجماع الأول بين الرجل والمرأة في الفراش قد إنتهي بانتهاء الشهوة، فكل جماع أدى للولد لا يمكن أن ينتهي أو يُجهل أطرافه لأن هناك اجتماع ثانٍ لا ينفض بين نطفة الرجل ونطفة المرأة، فتتكون النطفة الأمشاج التي منها الولد.
ولذا فالجماع الثاني بين الأمشاج يبقى شاهدًا للأبد على الجماع الأول بين الرجل والمرأة في الفراش، وينبغي أن يُستدل به عند الخلاف على نسب الولد الصحيح من خلال مقارنة الصفات الوراثية للولد بالصفات الوراثية لأصحاب الأمشاج التي أنتجت الولد، فمن الثابت علمياً أن صفات الولد الوراثية هي ناتج مجموع صفات نطفة الأب ونطفة الأم. وهذا التفسير العلمي يجعلنا ننسب الولد إلى أبيه الصحيح الذي أتت منه النطفة على سبيل اليقين.
■ هل التفسير العلمي للفراش يوافق الشرع؟
قد يُظن أن التفسير العلمي لل٥راش يخالف الشرع، فأقول وبالله التوفيق، هذا التفسير العلمي قبل أن نعلمه من العلوم الطبية الحديثة علمناه من شرعنا الحنيف الذي نص على أن خلق كل إنسان لابد له من الذكر والأنثى، قال تعالى (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)، وأن كلاهما يعطي نطفة تشارك في خلق الولد، وبهاتين النطفتين تتحدد صفات الولد بعد المشج (الخلط)، قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج)، وهذه النطفة الأمشاج بها التقدير الوراثي للولد، قال تعالى (من نطفة خلقه فقدره)، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شبه المولود لأحد أبويه راجع لهذا التقدير بالنطفة، (فإذا علا ماء الرجل على ماء المرأة اشبه الولد أعمامه، وإذا علا ماء المرأ على ماء المرأة اشبه الولد اخواله)، والحديث في صحيح مسلم.
ومن الناحية الفقهية يُعد دليل الفراش أحد أهم الطرق الشرعية لإثبات النسب في الإسلام، وهو مُجمع عليه بين الفقهاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعاهر الحجر) البخاري، ولكن اختلف الفقهاء في تعريف الفراش على قولين:
أولاً:
الفراش بمعنى الزواج القائم، فيلحق بالزوج جميع ما تلد الزوجة وإن أتت به من الزنا، وقال بذلك بعض أهل العلم ومنهم الحنفية. والذي حمل الفقهاء على إثبات الفراش الحقيقي (الجماع) بقيام حالة الزوجية هو طبيعة العلاقة الخاصة بين الزوجين القائمة على السرية والحياء، فلا يمكن الاطلاع على تلك العلاقة الخاصة، فكان من الطبيعي بالنسبة لهم استخدام ما يدل عليها وهو قيام الحالة الزوجية التي تجيز شرعًا وعقلًا اتصال الزوجين كسبب لحصول الولد، فاعتبر الفقهاء مظنة الفراش دليلا على الفراش (الجماع) والنسب. والحقيقة أنهم بذلك قد ينسبون الولد لغير أبيه في بعض الأحوال التي يستحيل فيها علمياً أن يكون الولد من هذا الأب كالسفر الطويل، أو الإصابة بالعقم، أو أن تلد الزوجة لأقل من ستة أشهر بعد أول نكاح بين الزوجين. والأخذ بمظنة الفراش مع عدم قيام الدليل على الجماع في مثل هذه الأمور قد يؤدى إلى ظلم للزوج بأن يُنسب إليه من ليس من صُلبه، أو ضياع النسب في بعض الأحوال التي يحدث فيها الكذب من قبل الزوج، فهذا التعريف لا يهتم بإثبات حدوث الجماع.
ثانياً:
الفراش بمعنى النكاح الحقيقي الذي منه الولد فيكون الفراش تعبير مهذب عن حالة اجتماع الرجل بالمرأة حيث تكون المرأة كالفراش لزوجها، وفي هذه الحالة لا يلحق بالزوج إلا ما كان من جماعه أي من صلبه، أي أن الولد لا يُنسب إلا لأبيه الحقيقي صاحب الجماع الذي انتج الولد (صاحب النطفة). ولله الحمد هذا قول جمهور أهل العلم، وهو الأولى بالصواب للأسباب الآتية:
1. نص رواية البخاري (الولد لصاحب الفراش)، فنسب النبي صلى الله عليه وسلم الولد للذي جامع المرأة في الفراش وليس لذات الفراش. قال ابن حجر في الفتح (الفراش أي الجماع. قال بن أبي جمرة الظاهر أن الفراش كناية عن الجماع والكناية عن الأشياء التي يُستحي منها كثيرة في القرآن والسنة)، وهذا من أخلاقه صلي الله عليه وسلم أن يُكني عن الجماع بلفظة الفراش كما في حديث (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح) متفق عليه.
2. تعريف القرآن للفراش بالجماع كما في قول الله تعالى (وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ) النساء23 ، وقوله تعالى{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا}الأعراف 189، فالابن لا يكون من الصلب إلا إذا ثبت التغشي من الزوج للزوجة، والحمل الخفيف هو النطفة (حاملة الصفات الوراثية) وما يتبعها من بوادر الحمل الأولى كما قال بذلك الطبري والقرطبي وغيرهما.
3. اتفق العلماء على أن الزوجة لو أتت بولد من زواج قبل مضي ستة أشهر فإنه لا ينسب لهذا الزوج، فشرط الشافعي والجمهور الإمكان زمانا ومكانا (الإمكان له بحث خاص).
4. تصوير الأرحام والأصلاب يعتمد على نطفة الذي جامع في الفراش.
قال الله عن تصوير الذرية (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) 6 آل عمران، ومعلوم من نصوص أخرى ان تصوير الأرحام يكون من النطفة الأمشاج (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج)، وحديث (إذا بلغت النطفة ٤٢ ليلة أتاها ملك من قبل الله فصورها......الحديث).
ثم بين لنا الله أن صفات النطفة الأمشاج في الأرحام تحددها صفات الأمشاج الآتية من أصلاب الآباء في قوله تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ١١ الأعراف، قال القرطبي في تفسيره خلق وتصوير الذرية قبل سجود الملائكة لآدم وزواجه من حواء يشير لخلق أمشاج الذرية في الأصلاب لأن الله خلق آلة التزاوج في كل من آدم وحواء، وهذا هو أصح تفسير للآية من وجهة نظري المتواضعة، وقال به بعض السلف والله أعلم.
ويبدو لي أن الله بدأ بذكر خلق وتصوير الأرحام في آل عمران قبل ذكر تصوير الأصلاب في الأعراف لبيان علاقة سببية واضحة، فصفات المولود يحددها تصوير الأرحام من النطفة الأمشاج، وصفات النطفة الأمشاج يحددها تصوير الأصلاب، وبذلك وضع الله قانون توارث الصفات من آدم لذريته، فالصفات الوراثية للنطفة الأمشاج في الأرحام تتحدد بصفات الأمشاج المتكونة من الخلايا الجنسية في الأصلاب.
ومن غرائب القُرآن أن نداء الله للبشرية بقوله (بني آدم) لم يحدث في القرآن إلا بعد ذكر الآيات التي بينت قانون توارث الصفات في الأرحام ثم في الأصلاب، فجاءت أول آية في القرآن تنسب الذرية إلى آدم في قول الله {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عليكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ورِيشًا}الأعراف26، لنعلم أن علاقة النسب بين آدم والذرية علاقة وراثية تعتمد على البصمة الوراثية للنطاف ثم النطفة الأمشاج.
وبعد أن نسب الله البشرية لآدم في الآية السابقة (يا بني آدم)، أصبح من الممكن فهم كيفية أخذ الذرية من صلب آدم ثم صلب بنيه، فقال الله في آية لاحقة في سورة الأعراف {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} الأعراف 172، فكل ذرية آدم إلى قيام الساعة كانت مطمورة في صلبه وصلب حواء على هيئة خلايا جنسية ومشيجية بها التقدير الوراثي لكل ذريته، وعليه فالنسب لآدم والأخذ من صلبه يقوم على أساس الرابط الوراثي، وبالمثل لكل فرد من أفراد بني آدم، فالله لم يأخذ من ظهر آدم وحواء فقط، ولكن من كل الجنس الآدمي ولذا قال (وإذ أخذ ربك من بني آدم)، وتأكد ذلك بالجمع في كلمة (ظهورهم) فلو كان الأخذ من ظهر آدم فقط لقال (من ظهره)، فكأن الله أخذ من ظهر آدم وحواء أبنائهم، ثم أخذ من ظهور الأبناء ذريتهم، ومن ظهور كل ذرية ذرياتهم إلى قيام الساعة، فاشتمل الأخذ على كل الأجيال المتعاقبة من لدن آدم إلى قيام الساعة. وحتما هذا الأخذ لا توجد به شبهة اختلاط أنساب عند الله، فهو يعرف نسب ابن الزنا وكل مجهول النسب وكل من أتى الدنيا من رحم مؤجرة، يعرفهم بأمشاجهم التي أخذها من ظهور الآباء وجمعها لتعطي الأبناء بنسب صحيح غير مشكوك فيه، فكل من حضر ميثاق الذر حضره بنسبه لأبيه الصحيح وأمه الصحيحة أصحاب الأمشاج الحقيقية لكل فرد من أفراد ميثاق الذر. قال الشعراوي في تفسيره (الآخذ هو الله، والمأخوذ منه بنو آدم، والشيء المأخوذ هو ذريتهم، وبنو آدم هم أولاد آدم من لدنه إلى أن تقوم الساعة......انتهى بتصرف).
■ كيف نصل للرجل الذي جامع في الفراش لمعرفة النسب الصحيح للولد؟
مما سبق يمكن القول بأنه لا نسب عند الله إلا بصفات البصمة الوراثية التي تنتقل من الأصلاب للأرحام، ومن أراد الحق في قضايا الأنساب فعليه بفعل الله في إثبات نسب الذرية لآدم (بني آدم) والأخذ من ظهور بني آدم على أساس توارث الصفات في الأصلاب والأرحام. ودراسة مقارنة الصفات الوراثية بين الولد وصاحب الفرش يتم بأحد طريقين، القيافة والبصمة الوراثية (اختبار البنوة)، وإن شاء الله في المبحث القام نناقش كيف استعمل النبي صلى الله عليه وسلم القيافة بعلم كوسيلة فعالة للرؤية غير المباشرة للرجل الذي جامع في الفراش.
اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظن أو خطا أو سهو أو نسيان فمني وحدي والله ورسوله منه براء.
د. محمود عبدالله نجا
كلية الطب، جامعة المنصورة، مصر