هل ذكر القُرآن أن الرجُل فقط هو الذي يحدد جنس المولود؟

إنضم
08/02/2024
المشاركات
196
مستوى التفاعل
15
النقاط
18
العمر
53
الإقامة
مصر، المنصورة
هل ذكر القُرآن أن الرجُل فقط هو الذي يحدد جنس المولود؟

للأسف ظن البعض أن القرآن يقول بأن الرجل فقط هو الذي يحدد جنس المولود، واستدلوا لذلك بفهم مغلوط لآيتين من كتاب الله؛
الأولى
(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) [النجم: 45-46].
الثانية
(ألم يك نطفة من مني يمنى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى) [القيامة: 38-39].

فقالوا بأن الله قال (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ) ولم يقل: (فجعل منها الزوجين)، وهذه إشارة إلى الرجل ونطفته وأنه هو المسؤول عن تحديد جنس الجنين، وهو ما أثبته العلماء حديثاً، ولم يكن لأحد علم به زمن النبي عليه الصلاة والسلام.

وحقيقة هذا استنباط وتفسير عجيب لم أطلع عليه، فما أعلمه ان ضمير الغائب في (منه) إما عائد على الانسان المخلوق في الرحم من علقة فجعل الله من هذا الانسان ذكر وأنثى وبذلك قال الطبري وغيره، وإما عائد على المني (ألم يك نطفة من مني يمنى) وبذلك قال بعض المفسرين ومنهم القرطبي.

ومعلوم ان الضمير يعود لأقرب مذكور، وهو هنا الإنسان المخلوق من علقة وبالتالي لا يصح جعل منه عائدة على الرجل دون المرأة، لأن العلقة قد تعطي ذكر وقد تعطي انثى.
ولكن يجوز في هذه الآية عود الضمير في منه على مذكور أسبق للإنسان وهو المني وذلك لقول الله تعالى في موضع آخر (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ)، فصرح الله بخلق الزوجين الذكر والأنثى من النطفة التي تُمنى.

والسؤال هنا
هل الرجل فقط هو ما له نطفة تُمني أو ماء مهين؟؟؟ فنجعل الضمير في منه يعود على مني الرجل فقط، وبالتالي الرجل فقط هو من يحدد جنس المولود؟!!

الجواب
للمرأة أيضاً نطفة وماء كما أن للرجل نطفة وماء، وقد نص على ذلك كل من الشرع والعلم؛

فالعلم يقول بأن للمرأة ماء أصفر يخرج من حوصلة جراف عند التبويض وهو يحتوي على بويضة المرأة.

وشرعاً قال الله
(إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) ، و(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج)، اي بالمشج بين نطفة الرجل ونطفة المراة.

وقال الله (فلينظر الإنسان مما خلق. خلق من ماء دافق)،
والماء الدافق موجود عند الرجل، وأيضاً عند المرأة، مع اختلاف موضع الدفق، فماء الرجل دافق من القضيب، وماء المرأة الدافق الذي منه البويضة يأتي من المبيض عند خروج الماء الأصفر من حوصلة جراف.

وقال الله (في أي صورة ما شاء ركبك)، وقال ابن تيمية في تفسيرها، لم يتغرق بدن الانسان في مراحل خلقه حتى يركبه الله إلا حين كان نطفة من الأب ونطفة من الأم فحدث التركيب بينهما لخلق الانسان.

وصح عن رسول الله قوله (ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة اصفر رقيق)، وقوله (اذا علا ماء الرجل ماء المراة .......واذا علا ماء المرأة ماء الرجل.....الحديث).

وكل ما سبق يؤكد ان للمراة نطفة كالرجل، وبالتالي فقوله تعالى (ألم يك نطفة من مني يمنى) تحتمل مني الرجل ومني المرأة، نطفة الرجل ونطفة المراة، والضمير الغائب في (منه) في آية (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) يعود على المني بنوعيه، مني الرجل، ومني المرأة، وبالتالي فالآية تدل أن الرجل والمراة لهما القدرة على تحديد جنس المولود وليس كما توهم البعض أن الضمير (منه) عائد على الرجل فقط فهو الذي يحدد الجنس، وأن الله لو أراد الأنثى لقال منها، ولو أرادهما لقال منهما، فالأصل أن ذكر المني في الآية حاء نكرة (مني يمنى)، والنكرة تفيد العموم، أي مني الذكر والأنثى، ولا يوجد في الآية ما يخصص الذكر دون الأنثى.

ومنشأ هذا الوهم عند البعض، هو بعض التفاسير القديمة التي لم يكن أصحابها على علم بوجود مني او نطفة للمراة تشارك نطفة الرجل في خلق الانسان، فكانت كلمة مني بالنسبة لهم تعني مني الرجل فقط بدلالة المُشاهد في الواقع من كون الرجل فقط هو الذي يقذف المني في رحم المرأة.
وهذا تصور خطأ تعارضه النصوص الشرعية التي ذكرتها أعلاه، والتي تبين ان للمراة مني ونطفة كما للرجل.

الخلاصة
هذه الآية (فخلق منه الزوجين الذكر والأنثى) دليل على أن الرجل والمرأة يشاركان في تحديد جنس المولود ولا يوجد فيها او في سياق الآيات التي تسبقها أي تخصيص للرجل دون المراة. وهذا الذي قلته يدعمه حديث النبي عن تحديد جنس المولود حيث جعل المراة دور كدور الرجل فقال (واذا علا ماء المرأة ماء الرجل اذكرا باذن الله)، بل وتدعمه المكتشفات العلمية الحديثة حول قدرة البويضة على اختيار الحوين الذي يلقحها بآليات مُتعددة، وأيضاً إكتشاف العلم لمنظومة معقدة من الجينات المتصارعة لتحديد جنس المولود، وهو ما سوف نتناوله في المبحث القادم بإذن الله تعالى.

اللهم ما كان من توفيق فمنك وحدك وما كان من ظن أو خطا أو سهو أو نسيان فمني وحدي والله ورسوله منه براء.

د. محمود عبدالله نجا
كلية طب، جامعة المنصورة، مصر
 
عودة
أعلى