نحن يا أختي الكريمة مكلفون بالإيمان بكتب الله السابقة ولسنا مكلفين بالنظر فيها أو قراءتها أو البحث عنها أو أخذ الأحكام والتشريعات منها ، خاصةً وأنه اعتراها التحريف ، ولم يبق محفوظاً إلا القرآن الكريم ؛ قال تعالى :{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر : 9] .
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله : أما ما كان من الأديان السماوية السابقة
سليم من التغيير والتبديل
فقد نسخه الله ببعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنزاله القرآن الكريم، فإن الله سبحانه أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ونسخ بشريعته سائر الشرائع، وجعل كتابه الكريم مهيمناً على سائر الكتب السماوية.
وقال سماحة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه)(المائدة:الآية48) أي ( حاكماً عليه ) وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن.
والإيمان بكتب الله التي أنزلها على أنبيائه يثمر ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم بعناية الله تعالى بعباده حيث أنزل لكل قوم كتاباً يهديهم به.
الثانية: العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم. كما قال الله تعالى : ) لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً )(المائدة:الآية48)
ويتضمن الإيمان بكتب الله ما يلي :
1- الإيمان بأنها أنزلت من عند الله حقَّاً.
2-الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الذي نُزِّل على محمد صلى الله عليه وسلم والتوراة التي أُنزلت على موسى عليه السلام والإنجيل الذي نزل على عيسى -عليه السلام - والزبور الذي أوتيه داود عليه السلام.
وأما ما لم نعلمه من الكتب المنزلة فنؤمن به إجمالاً.
3- تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل، أو يحرف من الكتب السابقة.
4 - العمل بما لم ينسخ منها إذا صح وأقره القرآن الكريم، والرضا، والتسليم به، سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها.
أهمية الإيمان بالكتب :
الإيمان بالكتب أصل من أصول العقيدة، وركن من أركان الإيمان، ولا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بالكتب التي أنزلها الله على رسله -عليهم السلام-.
كما أخبر-سبحانه- أن الرسول"والمؤمنون آمنوا بما أنزل من عند الله من كتب، قال_تعالى [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ] (البقرة: 285).
ومما يدل على أهميته أن الله أمر المؤمنين بأن يؤمنوا بما أنزله كما في قوله تعالى : [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] (البقرة: 136).
كذلك من أنكر شيئاً مما أنزل الله فهو كافر كما قال تعالى : [وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً] (النساء:136).
وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جبريل المشهور عندما سأله عن الإيمان قال:(أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله).
الغاية من إنزال الكتب السماوية :
أنزلت الكتب السماوية كلُّها لغايةٍ واحدةٍ، وهدف واحد وهو أن يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، ولتكون منهج حياة للبشر الذين يعيشون في هذه الأرض، تقودهم بما فيها من هداية إلى كل خير، ولتكون روحاً ونوراً تحيي نفوسهم، وتكشف ظلماتها، وتنير لهم دروب الحياة كلها.
منزلة القرآن الكريم من الكتب السماوية السابقة :
القرآن آخر الكتب السماوية وهو خاتمها، وهو أطولها، وأشملها، وهو الحاكم عليها.
قال الله تعالى : [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ] (المائدة: 48).
وقال تعالى : [وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ] (يونس: 37).
وقال: [مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (يوسف: 111).
قال أهل التفسير في قوله تعالى [وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ]: مهيمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب، ومصدقاً لها؛
يعني يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف، وتبديل، وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير.
ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه كما قال تبارك وتعالى : [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ](القصص:52 ، 53 ).
فالقرآن هو رسالة الله لجميع الخلق، وقد تكفل سبحانه [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: 9).
ولا يقبل الله من أحد ديناً إلا ما جاء في هذا القرآن العظيم.
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله في قوله تعالى : [وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ]: أي مشتملاً على ما اشتملت عليه الكتب السابقة وزيادة في المطالب الإلهية، والأخلاق النفسية؛ فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب، فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه.
وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل، وإلا لو كان من عند الله لم يخالفه . (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي 1/490. )
{ وغضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ ألم آت بها بيضاء نقية ؟ لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي }.
أرفقت لك ملف عبارة عن كتاب للشيخ محمد الحمد بعنوان ( الإيمان بالكتب ) ، ومعظم هذا الجواب مستقى منه .
وهنا رابط لكلام نفيس لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله في الموضوع .وفقك الله وبارك فيك .