أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة.
من روائع حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
من روائع شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم
حسان بن ثابت الأنصاري
رضي الله تعالى عنه
[ 1 ]
أغَرُّ، عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ
مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويُشْهَدُ
وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ
إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ
وشقّ لهُ منِ اسمهِ ليجلهُ
فذو العرشِ محمودٌ، وهذا محمدُ
نَبيٌّ أتَانَا بَعْدَ يَأسٍ وَفَتْرَةٍ
منَ الرسلِ، والأوثانِ في الأرضِ تعبدُ
فَأمْسَى سِرَاجاً مُسْتَنيراً وَهَادِياً
يَلُوحُ كما لاحَ الصّقِيلُ المُهَنَّدُ
وأنذرنا ناراً، وبشرَ جنةً
وعلمنا الإسلامَ، فاللهَ نحمدُ
وأنتَ إلهَ الخلقِ ربي وخالقي
بذلكَ ما عمرتُ في الناسِ أشهدُ
تَعَالَيْتَ رَبَّ الناسِ عن قَوْل مَن دَعا
سِوَاكَ إلهاً، أنْتَ أعْلَى وَأمْجَدُ
لكَ الخلقُ والنعماءُ، والأمرُ كلهُ
فإيّاكَ نَسْتَهْدي، وإيّاكَ نَعْبُدُ

[ 2 ]
جزى اللهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائِـهِ
رفيقيـنِ قالا خيمتِـيْ أُمّ معبَـدِ
هما نَزَلاها بالهُدى واهتـدَتْ بـهِ
فقَدْ فازَ مَنْ أمْسَى رَفيـقَ مُحَمـدِ
فَيَا لقُصـيٍّ مـا زَوَى اللهُ عنْكُـمُ
بِهِ من فَخـارٍ لا يُبـارَى وَسُـؤدَدِ
لِيَهْنِِ بَنِي كَعـْبٍ مَقـامُ فَتاتِـهمْ
وَمَقْعَدُهـا للمُؤمِنِيـنَ بمَـرْصَـدِ
سَلُوا أُخْتكُمْ عَن شاتـِها وإنائِهـا
فإنّكُمُ إنْ تَسْألـوا الشّـاةَ تَشْهـدِ
دَعَاهَا بشـاةٍ حَائـلٍ فتَحَلبـَتْ
لَهُ بِصريحٍ ضَـرّةُ الشّـاةِ مُزبِِـدِ
فَغَادَرَهَـا رَهْنـاً لَدَيْهـا لِحالـبٍ
يُرددُهـا فِـي مَصْـدرٍ ثُمّ مَـوردِ

[ 3 ]
حَصانٌ رَزانٌ ما تُزِنُّ بِريبَةٍ
وَتُصبِحُ غَرثى مِن لُحومِ الغَوافِلِ
عَقيلَةُ حَيٍّ مِن لُؤَيِّ بنِ غالِبٍ
كِرامِ المَساعي مَجدُهُم غَيرُ زائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَد طَيَّبَ اللَهُ خَيمَها
وَطَهَّرَها مِن كُلِّ سورٍ وَباطِلِ
فَإِن كُنتُ قَد قُلتُ الَّذي قَد زَعَمتُمُ
فَلا رَفَعَت سَوطي إِلَيَّ أَنامِلي
فَكَيفَ وَوِدّي ما حَيِيتُ وَنُصرَتي
لِآلِ رَسولِ اللَهِ زَينِ المَحافِلِ
لَهُ رَتَبٍ عالٍ عَلى الناسِ كُلِّهِم
تَقاصَرُ عَنهُ سَورَةَ المُتَطاوِلِ
فَإِنَّ الَذي قَد قيلَ لَيسَ بِلائِطٍ
وَلَكِنَّهُ قَولُ اِمرِئٍ بِيَ ماحِلِ

[ 4 ]
بَكَت عَيني وَحَقَّ لَها بُكاها
وَما يُغني البُكاءُ وَلا العَويلُ
عَلى أَسَدِ الإِلَهِ غَداةَ قالوا
أَحَمزَةُ ذَلِكَ الرَجُلُ القَتيلُ
أُصيبَ المُسلِمونَ بِهِ جَميعاً
هُناكَ وَقَد أُصيبَ بِهِ الرَسولُ
أَبا يَعلى لَكَ الأَركانُ هُدَّت
وَأَنتَ الماجِدُ البَرُّ الوَصولُ
عَلَيكَ سَلامُ رَبِّكَ في جِنانٍ
مُخالِطُها نَعيمٌ لا يَزولُ

[ 5 ]
أَلَستُ خَيرَ مَعَدٍّ كُلِّها نَفَراً
وَمَعشَراً إِن هُمُ عُمّوا وَإِن حُصِلوا
قَومٌ هُمُ شَهِدوا بَدراً بِأَجمَعِهِم
مَعَ الرَسولِ فَما أَلوا وَما خَذَلوا
وَبايَعوهُ فَلَم يَنكُث بِهِ أَحَدٌ
مِنهُم وَلَم يَكُ في إيمانِهِم دَخَلُ
وَيَومَ صَبَّحَهُم في الشِبِ مِن أُحُدٍ
ضَربٌ رَهينٌ كَحَرِّ النارِ مُشتَعِلُ
وَيَومَ ذي قَرَدٍ يَومَ اِستَثارَ بِهِم
عَلى الجِيادِ فَما خاموا وَلا نَكَلوا
وَذا العَشيرَةِ حاسوها بِخَيلِهِمُ
مَعَ الرَسولِ عَلَيها البيضُ وَالأَسَلُ
وَيَومَ وَدّانَ أَجلَوا أَهلَهُ رَقَصاً
بِالخَيلِ حَتّى نَهانا الحَزنُ وَالجَبَلُ
وَلَيلَةً طَلَبوا فيها عَدُوَّهُمُ
لِلَّهِ وَاللَهُ يُجزيهِم بِما عَمِلوا
وَغَزوَةً يَومَ نَجدٍ ثَمَّ كانَ لَهُم
مَعَ الرَسولِ بِها الأَسلابُ وَالنَفَلُ
وَلَيلَةً بِحُنَينٍ جالَدوا مَعَهُ
فيها يَعُلُّهُمُ بِالحَربِ إِذ نَهِلوا
وَغَزوَةَ القاعِ فَرَّقنا العَدُوَّ بِهِ
كَما تَفَرَّقَ دونَ المَشرَبِ الرَسَلُ
وَيَومَ بُويِعَ كانوا أَهلَ بَيعَتِهِ
عَلى الجِلادِ فَآسَوهُ وَما عَدَلوا
وَغَزوَةَ الفَتحِ كانوا في سَرِيَّتِهِ
مُرابِطينَ فَما طاشوا وَلا عَجِلوا
وَيَومَ خَيبَرَ كانوا في كَتيبَتِهِ
يَمشونَ كُلُّهُمُ مُستَبسِلٌ بَطَلُ
بِالبيضِ تَرعَشُ في الأَيمانِ عارِيَةً
تَعوَجُّ في الضَربِ أَحياناً وَتَعتَدِلُ
وَيَومَ سارَ رَسولُ اللَهِ مُحتَسِباً
إِلى تَبوكُ وَهُم راياتُهُ الأُوَلُ
وَساسَةُ الحَربِ إِن هَربٌ بَدَت لَهُمُ
حَتّى بَدا لَهُمُ الإِقبالُ وَالقَفَلُ
أولَئِكَ القَومُ أَنصارُ النَبِيِّ وَهُم
قَومي أَصيرُ إِلَيهِم حينَ أَتَّصِلُ
ماتوا كِراماً وَلَم تُنكَث عُهودُهُمُ
وَقَتلُهُم في سَبيلِ اللَهِ إِذ قُتِلوا

[ 6 ]
ما نَخشى بِحَمدِ اللَهِ قَوماً
وَإِن كَثُروا وَأُجمِعَتِ الزُحوفُ
إِذا ما أَلَّبوا جَمعاً عَلَينا
كَفانا حَدَّهُم رَبٌّ رَؤوفُ
سَمَونا يَومَ بَدرٍ بِالعَوالي
سِراعاً ما تُضَعضِعُنا الحُتوفُ
فَلَم تَرَ عُصبَةً في الناسِ أَنكى
لِمَن عادوا إِذا لَقِحَت كَشوفُ
وَلَكِنّا تَوَكَّلنا وَقُلنا
مَآثِرُنا وَمَعقِلُنا السِيوفُ
لَقيناهُم بِها لَمّا سَمَونا
وَنَحنُ عِصابَةٌ وَهُمُ أُلوفُ

[ 7 ]
سَأَلَ الإِمامُ وَقَد تَتابَعَ جَدبُنا
فَسَقى الغَمامُ بِغُرَّةِ العَبّاسِ
عَمُّ النَبِيِّ وَصُنوُ والِدِهِ الَذي
وَرِثَ النَبِيَّ بِذاكَ دونَ الناسِ
أَحيا الإِلَهُ بِهِ البِلادَ فَأَصبَحَت
مُخضَرَّةَ الأَجنابِ بَعدَ الياسِ

[ 8 ]
نَصَرنا رَسولَ اللَهِ وَالدينَ عَنوَةً
عَلى رَغمِ عاتٍ مِن مَعَدٍّ وَحاضِرِ
بِضَربٍ كَإيزاغِ المَخاضِ مُشاشُهُ
وَطَعنٍ كَأَفواهِ اللِقاحِ السَوادِرِ
وَسَل أُحُداً لَمّا اِستَقَلَّت شِعابُهُ
بِضَربٍ لَنا مِثلَ اللِيوثِ الخَوادِرِ
أَلَسنا نَخوضُ الخَوضَ في حَومَةِ الوَغى
إِذا طابَ وِردُ المَوتِ بَينَ العَساكِرِ
وَنَضرِبُ هامَ الدارِعينَ وَنَنتَمي
إِلى حَسَبٍ مِن جِذمِ غَسّانَ قاهِرِ
وَلَولا حَياءُ اللَهِ قُلنا تَكَرُّماً
عَلى الناسِ بِالخَيفَينِ هَل مِن مُنافِرِ
فَأَحياؤُنا مِن خَيرِ مَن وَطِئَ الثَرى
وَأَمواتُنا مِن خَيرِ أَهلِ المَقابِرِ

[ 9 ]
أَلا أَيُّها الساعي لِتُدرِكَ مَجدَنا
هَلُمَّ فَما أَنباكَ عِلماً كَخابِرِ
لَقَد كانَ في القُرآنِ لَو كُنتَ عالِماً
بِهِ مَجدُنا في مُحكَماتِ البَصائِرِ
مَنِ المُؤثِرونَ وَالخَصاصَةُ فيهِمُ
عَلى كُلِّ ذي قُربى عَظيمِ الأَواصِرِ
قَبيلٌ وَقوا شُحَّ النُفوسِ فَأَفلَحوا
وَطابَت لَهُم مُستَخفَياتُ السَرائِرِ
فَعِش راغِماً أَو مُت بِغَيظِكَ إِنَّنا
أُلو حَسَبٍ عالٍ عَلى الناسِ قاهِرِ
وَسامٍ بِعَينَيهِ لِما لا يَنالَهُ
كَساعٍ بِرِجلَيهِ لِإِدراكِ طائِرِ
وَنَحنُ أُناسٌ أَصلُنا الأَزدُ مِنهُمُ
نُضاراً نَبَتنا في الفُروعِ النَواضِرِ
وَنَحنُ بَنو الغَوثِ بنِ نَبتِ بنِ مالِكٍ
بنِ زَيدِ بنِ كَهلانَ وَأَهلُ المَفاخِرِ
يَمانونَ تَدعونا سَبا فَنُجيبَها
إِلى الجَوهَرِ المَكنونِ خَيرِ الجَواهِرِ
وَنَحنُ مُلوكُ الناسِ مِن عَهدِ تُبَّعٍ
إِذِ المُلكِ في أَبناءِ عَمروِ بنِ عامِرِ
وَنَحنُ جَلَبنا الخَيلَ مِن سَروِ حِميَرٍ
إِلى جاسِمٍ بِالمُحنَقاتِ السَنادِرِ
يَكادُ صَهيلُ الخَيلُ فيها يُصِمُّنا
وَزَجرُ الحُداةِ في حَنينِ السَواجِرِ
نَقودُ جِيادَ الخَيلِ قُبّاً كَأَنَّها
سِراحَ عَدَت في ذي أَهاضيبِ ماطِرِ
وَنورِدُ أَبطالَ العَدُوِّ مَناهِلاً
حِياضَ المَنايا وِردُها غَيرِ صادِرِ
عَلى كُلِّ جَرداءَ الأَديمِ وَأَجرَدٍ
نَظَلُّ عَلَيها بِالرِماحِ الشَواجِرِ
وَلَولا حَذارُ اللَهِ قُلنا تَكَرُّماً
عَنِ الناسِ يا لَلناسُ هَل مِن مُفاخِرِ
وَحِميَرَ مِنّا أَهلُ بَذلٍ وَرَأفَةٍ
وَأَصحابُ قَمعٍ لِلعَدُوِّ المُكابِرِ
وَهَمدانُ أَحلاسُ الجِيادِ لَدى الوَغى
يَموجونَ مَوجَ البَحرِ عِندَ التَكاثُرِ
وَكِندَةُ فيها كُلُّ قَرمٍ سَمَيدَعٍ
أولَئِكَ أَصحابي وَوُدّي وَناصِري
وَشَعبٌ رَفيعٌ مِن قُضاعَةَ فاضِلٍ
عَلى كُلِّ شَعبٍ مِن شُعوبِ العَمائِرِ
أولَئِكَ قَومي إِن دَعَوتُ أَجابَني
ثَمانونَ أَلفاً في الحَديدِ المَظاهِرِ
إِذا شَرَّعوا الراياتِ لَم يَتَواكَلوا
وَفيهِم حِفاظِ الأَريَحِيِّ المُظافِرُ

[ 10 ]
قَومي الَّذينَ هُمُ آوَوا نَبِيَّهُمُ
وَصَدَّقوهُ وَأَهلُ الأَرضِ كُفّارُ
إِلّا خَصائِصَ أَقوامٍ هُمُ سَلَفٌ
لِلصالِحينَ مَعَ الأَنصارِ أَنصارُ
مُستَبشِرينَ بِقَسمِ اللَهِ قَولُهُمُ
لَمّا أَتاهُم كَريمُ الأَصلِ مُختارُ
أَهلاً وَسَهلاً فَفي أَمنٍ وَفي سِعَةٍ
نِعمَ النَبيُّ وَنِعمَ القَسمُ وَالجارُ
فَأَنزَلوهُ بِدارٍ لا يَخافُ بِها
مَن كانَ جارَهُمُ داراً هِيَ الدارُ
وَقاسَموهُ بِها الأَموالَ إِذ قَدِموا
مُجاهِدينَ وَقَسمُ الجاحِدُ النارُ
سِرنا وَساروا إِلى بَدرٍ لِحَينِهِمُ
لَو يَعلَمونَ يَقينَ العِلمَ ما ساروا
دَلّاهُمُ بِغُرورٍ ثُمَّ أَسلَمَهُم
إِنَّ الخَبيثَ لِمَن والاهُ غَرّارُ
وَقالَ إِنّي لَكُم جارٌ فَأَورَدَهُم
شَرَّ المَوارِدِ فيهِ الخِزيُ وَالعارُ
ثُمَّ اِلتَقَينا فَوَلَّوا عَن سَراتِهِمُ
مِن مُنجِدينَ وَمِنهُم فِرقَةٌ غاروا

[ 11 ]
لَقَد خابَ قَومٌ غابَ عَنهُم نَبِيُّهُم
وَقَد سُرَّ مَن يَسري إِلَيهِم وَيَغتَدي
تَرَحَّلَ عَن قَومٍ فَضَلَّت عُقولُهُم
وَحَلَّ عَلى قَومٍ بِنورٍ مُجَدَّدِ
هَداهُم بِهِ بَعدَ الضَلالَةِ رَبُّهُم
وَأَرشَدَهُم مَن يَتبَعِ الحَقَّ يَرشُدُ
وَهَل يَستَوي ضُلّالُ قَومٍ تَسَفَّهوا
عَمىً وَهُداةٌ يَهتَدونَ بِمُهتَدِ
لَقَد نَزَلَت مِنهُ عَلى أَهلِ يَثرِبٍ
رِكابُ هُدىً حَلَّت عَلَيهِم بِأَسعَدِ
نَبِيٌّ يَرى ما لا يَرى الناسُ حَولَهُ
وَيَتلو كِتابَ اللَهِ في كُلِّ مَسجِدِ
وَإِن قالَ في يَومٍ مَقالَةَ غائِبٍ
فَتَصديقُها في اليَومِ أَو في ضُحى الغَدِ
لِيَهنِ أَبا بَكرٍ سَعادَةُ جَدِّهِ
بِصُحبَتِهِ مَن يُسعِدِ اللَهُ يَسعَدِ

[ 12 ]
لا تُنكِرَنَّ قُرَيشٌ فَضلَ صاحِبَنا
سَعدٍ وَما في مَقالي اليَومَ مِن أَوَدِ
قالَت قُرَيشٌ لَنا السُلطانُ دونَكُمُ
لا تَطمَعُنَّ بِهَذا الأَمرِ مِن أَحَدِ
قُلنا لَهُم ثَوِّروا حَقّاً فَنَتبَعُهُ
لَسنا نُريدُ سِواهُ آخِرَ الأَبَدِ
إِن كانَ عِندَكُمُ عَهدٌ فَيَظهَرُ في
أَشياخِ بَدرٍ وَأَهلِ الشِعبِ مِن أُحُدِ
نَحنُ الَذينَ ضَرَبنا الناسَ عَن عُرُضٍ
حَتّى اِستَقاموا وَكانوا بَيضَةَ البَلَدِ
في كُلِّ يَومٍ لَنا أَمرٌ نَفوزُ بِهِ
يُعطي الإِلَهُ عَلَيهِ جَنَّةَ الخُلدِ
لَستُم بِأَولى بِهِ مِنّا لَأَنَّ لَنا
وَسطَ المَدينَةِ فَضلَ العِزِّ وَالعَدَدِ
وَأَنَّنا يَومَ بِعنا اللَهَ أَنفُسَنا
لَم نُبدِ خَوفاً عَلى مالٍ وَلا وَلَدِ
وَالناسُ حَربٌ لَنا في اللَهِ كُلُّهُمُ
مِثلُ الثَعالِبِ تَغشى غابَةَ الأَسَدِ

[ 13 ]
وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ
كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ
[ 14 ]
بَطَيبَةَ رَسمٌ لِلرَسولِ وَمَعهَدُ
مُنيرٌ وَقَد تَعفو الرُسومُ وَتَهمَدِ
وَلا تَنْمَحي الآياتُ مِن دارِ حُرمَةٍ
بِها مِنبَرُ الهادي الَذي كانَ يَصعَدُ
وَواضِحُ آثارٍ وَباقي مَعالِمٍ
وَرَبعٌ لَهُ فيهِ مُصَلّى وَمَسجِدُ
بِها حُجُراتٌ كانَ يَنزِلُ وَسطَها
مِنَ اللَهِ نورٌ يُستَضاءُ وَيوقَدُ
مَعارِفُ لَم تُطمَس عَلى العَهدِ آيُها
أَتاها البِلى فَالآيُ مِنها تُجَدَّدُ
عَرِفتُ بِها رَسمَ الرَسولِ وَعَهدَهُ
وَقَبراً بِها واراهُ في التُربِ مُلحِدُ
ظَلَلتُ بِها أَبكي الرَسولِ فَأَسعَدَت
عُيونٌ وَمِثلاها مِنَ الجِفنِّ تُسعَدُ
تَذَكَّرُ آلاءَ الرَسولِ وَما أَرى
لَها مُحصِياً نَفسي فَنَفسي تَبَلَّدُ
مُفَجَّعَةً قَد شَفَّها فَقدُ أَحمَدٍ
فَظَلَّت لِآلاءِ الرَسولِ تُعَدِّدُ
وَما بَلَغَت مِن كُلِّ أَمرٍ عَشيرَهُ
وَلَكِن لِنَفسي بَعدُ ما قَد تَوَجَّدُ
أَطالَت وُقوفاً تَذرِفُ العَينُ جُهدَها
عَلى طَلَلِ القَبرِ الَذي فيهِ أَحمَدُ
فَبورِكتَ يا قَبرَ الرَسولِ وَبورِكَت
بِلادٌ ثَوى فيها الرَشيدُ المُسَدَّدُ
وَبورِكَ لَحدٌ مِنكَ ضُمِّنَ طَيِّباً
عَلَيهِ بِناءٌ مِن صَفيحٍ مُنَضَّدُ
تَهيلُ عَلَيهِ التُربَ أَيدٍ وَأَعيُنٌ
عَلَيهِ وَقَد غارَت بِذَلِكَ أَسعُدُ
لَقَد غَيَّبوا حِلماً وَعِلماً وَرَحمَةً
عَشِيَّةَ عَلَّوهُ الثَرى لا يُوَسَّدُ
وَراحوا بِحُزنٍ لَيسَ فيهِم نَبيُّهُم
وَقَد وَهَنَت مِنهُم ظُهورٌ وَأَعضُدُ
يُبَكّونَ مَن تَبكي السَمَواتُ يَومَهُ
وَمَن قَد بَكَتهُ الأَرضُ فَالناسُ أَكمَدُ
وَهَل عَدَلَت يَوماً رَزِيَّةُ هالِكٍ
رَزِيَّةَ يَومٍ ماتَ فيهِ مُحَمَّدُ
تَقَطَّعَ فيهِ مُنزَلُ الوَحيِ عَنهُمُ
وَقَد كانَ ذا نورٍ يَغورُ وَيُنجِدُ
يَدُلُّ عَلى الرَحمَنِ مَن يَقتَدي بِهِ
وَيُنقِذُ مِن هَولِ الخَزايا وَيُرشِدُ
إِمامٌ لَهُم يَهديهِمُ الحَقَّ جاهِداً
مُعَلِّمُ صِدقٍ إِن يُطيعوهُ يَسعَدوا
عَفُوٌّ عَنِ الزَلّاتِ يَقبَلُ عُذرَهُم
وَإِن يُحسِنوا فَاللَهُ بِالخَيرِ أَجوَدُ
وَإِن نابَ أَمرٌ لَم يَقوموا بِحَملِهِ
فَمِن عِندِهِ تَيسيرُ ما يَتَشَدَّدُ
فَبينا هُمُ في نِعمَةِ اللَهِ وَسطَهُم
دَليلٌ بِهِ نَهجُ الطَريقَةِ يُقصَدُ
عَزيزٌ عَلَيهِ أَن يَجوروا عَنِ الهُدى
حَريصٌ عَلى أَن يَستَقيموا وَيَهتَدوا
عَطوفٌ عَلَيهِم لا يُثَنّي جَناحَهُ
إِلى كَنَفٍ يَحنو عَلَيهِم وَيَمهَدُ
فَبَينا هُمُ في ذَلِكَ النورِ إِذ غَدا
إِلى نورِهِم سَهمٌ مِنَ المَوتِ مُقصَدُ
فَأَصبَحَ مَحموداً إِلى اللَهِ راجِعاً
يُبكيهِ حَقُّ المُرسِلاتِ وَيُحمَدُ
وَأَمسَت بِلادُ الحُرمَ وَحشاً بِقاعُها
لِغَيبَةِ ما كانَت مِنَ الوَحيِ تَعهَدُ
قِفاراً سِوى مَعمورَةِ اللَحدِ ضافَها
فَقيدٌ تُبَكّيهِ بَلاطٌ وَغَرقَدُ
وَمَسجِدُهُ فَالموحِشاتُ لِفَقدِهِ
خَلاءٌ لَهُ فيهِ مَقامٌ وَمَقعَدُ
وَبِالجَمرَةِ الكُبرى لَهُ ثَمَّ أَوحَشَت
دِيارٌ وَعَرصاتٌ وَرَبعٌ وَمَولِدُ
فَبَكّي رَسولَ اللَهِ يا عَينُ عَبرَةً
وَلا أَعرِفَنكِ الدَهرَ دَمعَكِ يَجمَدُ
وَما لَكِ لا تَبكينَ ذا النِعمَةِ الَّتي
عَلى الناسِ مِنها سابِغٌ يَتَغَمَّدُ
فَجودي عَلَيهِ بِالدُموعِ وَأَعوِلي
لِفَقدِ الَذي لا مِثلُهُ الدَهرُ يوجَدُ
وَما فَقَدَ الماضونَ مِثلَ مُحَمَّدٍ
وَلا مِثلُهُ حَتّى القِيامَةِ يُفقَدُ
أَعَفَّ وَأَوفى ذِمَّةً بَعدَ ذِمَّةٍ
وَأَقرَبَ مِنهُ نايِلاً لا يُنَكَّدُ
وَأَبذَلَ مِنهُ لِلطَريفِ وَتالِدِ
إِذا ضَنَّ مِعطاءُ بِما كانَ يُتلَدُ
وَأَكرَمَ صيتاً في البُيوتِ إِذا اِنتَمى
وَأَكرَمَ جَدّاً أَبطَحيّاً يُسَوَّدُ
وَأَمنَعَ ذِرواتٍ وَأَثبَتَ في العُلى
دَعائِمَ عِزٍّ شامِخاتٍ تُشَيَّدُ
وَأَثبَتَ فَرعاً في الفُروعِ وَمَنبِتاً
وَعوداً غَذاهُ المُزنُ فَالعودُ أَغيَدُ
رَباهُ وَليداً فَاِستَتَمَّ تَمامُهُ
عَلى أَكرَمِ الخَيراتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ
تَناهَت وَصاةُ المُسلِمينَ بِكَفِّهِ
فَلا العِلمِ مَحبوسٌ وَلا الرَأيُ يُفنَدُ
أَقولُ وَلا يُلفى لِما قُلتُ عائِبٌ
مِنَ الناسِ إِلّا عازِبُ العَقلِ مُبعَدُ
وَلَيسَ هَوايَ نازِعاً عَن ثَنائِهِ
لَعَلّي بِهِ في جَنَّةِ الخُلدِ أَخلَدُ
مَعَ المُصطَفى أَرجو بِذاكَ جِوارَهُ
وَفي نَيلِ ذاكَ اليَومِ أَسعى وَأَجهَدُ
